على الرغم من نحو عشرين يوما على دخول البلاد المرحلة الدستورية لاجراء الاستحقاق الرئاسي، فان حماوة هذه المحطة لن تنطلق بقوة الا بعد طي صفحة مناقشات السلسلة في المجلس النيابي واقرارها لكون رئيس المجلس النيابي نبيه بري سيوجه الدعوة الى النواب لانتخاب خلف لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، لا سيما ان لجنة التواصل النيابية التي كلفها بري استطلاع اراء ومواقف الكتل النيابية قد انهت مهمتها ورفعت اليه تقريرها الذي يعرفه سلفاً من خلال موقعه في المعادلة السياسية اللبنانية.
وفي حين اطلق رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع والرجل القوي في قوى 14 آذار شرارة انطلاقة هذا الاستحقاق من خلال ترشحه الى ملء الكرسي الاولى في البلاد، على ان يستكمل خطوته هذه باعلان برنامجه يوم الاربعاء المقبل من معراب، يتمسك المرشح القوي في محور الممانعة رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب العماد ميشال عون بقراره الرافض لاعلان خطوته هذه رسميا على غرار منافسه المرشح جعجع، ساعيا الى ان يكون مرشحاً توافقياً او جامعاً لقوى 8 و14 آذار.
وفي موازاة المواقف الظاهرة للقوى المرشحة والناخبة اسوة بتكتل التغيير والاصلاح والقوات اللبنانية اللذين يترشح من كل منهما رئيسهما، فان القوى الناخبة والفاعلة في هذا الاستحقاق بدأت تتحضر لبلورة قرارها النهائي قبل ان يداهمها الوقت بدعوة الرئيس بري النواب الى جلسة انتخاب، اذ ان تيار المستقبل الحليف السياسي للمرشح الرئاسي جعجع يدرس موقفه من هذا الامر ولهذه الغاية، يكشف المراقبون عن ان رئيس تيار المستقبل الرئىس سعد الحريري عقد اجتماعات مع اركانه الذين انتقلوا للقاء به في الرياض مع استمرار الوضع الأمني الذي يفرض عليه عدم العودة الى لبنان حالياً، ولا تنحصر اللقاءات فقط في الملف الرئاسي الذي بات يتطلب عامل الوقت اعلان موقف نهائي حياله، بل ايضاً فان للاجتماع عناوين ثلاثة وفق المراقبين، اذ ان الملف السياسي بشكل عام وموضوع السلسلة تتطلب حضور رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة والحفاظ على شعرة معاوية مع الرئيس بري والقادر على نسج التسويات والصفقات معه اسوة بملفي التمديد للمجلس النيابي ولقائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي ومتابعة الواقع الامني ومواجهة الارهابيين على ضوء التوافق الاقليمي الذي سهل تشكيل الحكومة يتطلب حضور رئيس مجلس الامن المركزي الذي تتبع له كافة القوى الامنية والعسكرية اي وزير الداخلية النائب نهاد المشنوق الذي على عاتق تياره سياسياً وعاتقه شخصياً تأمين الظروف المناسبة لمواجهة انفلاش حالات التطرف، والاستحقاق الرئاسي بما يحمل من ابعاد وتمددات يدفع لحضور رئيس مكتبه السيد نادر الحريري المؤتمن على خزينة المعلومات والاسرار، والتي لا يفرج عن مكنوناتها رغم ايحاء الرئيس الحريري له في بعض الاحيان، وهو الوحيد من عداد فريق المستشارين كان على علم مسبق بلقاء باريس بين الحريري وعون، ويحمل نادر الحريري يتابع المراقبون خلاصة اجتماعين له توزعا بين معراب حين التقى المرشح جعجع وتبع ذلك بعد يومين زيارة للنائب الاسبق غطاس خوري الموجود في عداد الوفد وخلاصة الاجتماع الثاني بطابعه الاجتماعي في منزل وزير الخارجية المهندس جبران باسيل. في حين تردد ان وزير العدل اللواء اشرف ريفي قد يتأثر سفره الى هذا اللقاء بالواقع الامني في طرابلس لناحية متابعة تقدم الخطة الامنية.
ويشكل تضافر المهام في فريق رئىس المستقبل عاملاً من شأنه ان ينقل الى الرئيس الحريري مجموعة قراءات ومعطيات ذات صلة متكاملة بكامل المشهد اللبناني وتشابك ملفاته وانعكاسها على بعضها، لكن المحك امام هذا الفريق هو كيفية التعاطي مع الاستحاق الرئاسي، في ظل التفاهم الايراني – السعودي الدافع نحو تهدئة الساحة اللبنانية، وعما اذا كان واقع التسويات حسب المراقبين قد ينسحب على الاستحقاق الرئاسي لناحية التوافق مع قوى 8 اذار او الممانعة على رئيس من غير المرشحين عون وجعجع وان كان الرجلان يتمسكان بأن ترشيحهما ليس في مقابل بعضهما. اذ حتى حينه يقارب المرشح جعجع الاستحقاق على انه غير معني بالتسوية التي حتمت تشكيل هذه الحكومة وما تبع التأليف من خطوات على عدة اصعدة. في حين ان زعيم قوى 14 اذار الرئيس الحريري معني مباشرة بهذا الاستحقاق انتخابا وترشيحا اذا ما تبنت هذه القوى ترشيح المرشح جعجع، اذ من الجانب اللبناني يشكل رئيس المستقبل حالة مؤثرة في المعادلة، لكن في الوقت ذاته ليس منفصلا عن المعادلة الاقليمية والدولية والتي لديها حسابات واعتبارات قد تتعارض احيانا مع شعارات ومبادئ قوى 14 اذار، ولذلك فان المراقبين يركزون انظارهم على اجتماعه هذا الذي سيليه اجتماع لتياره سياسيا ونيابيا لاعلان موقف من خلال الكتلة.
فالاستحقاق هذا من شأنه حتى في حال عدم وصول جعجع الى بعبدا ان يقوي وحدة صف هذا الفريق، في مقابل الفريق المقابل في حال التوافق او المواجهة، لا سيما ان المرشح جعجع الذي حمل ترشيحه حسابات متعددة الاوجه لن يخرج من المنافسة قبل استكمالها واستنفاد التجربة الديموقراطية ولو كانت على حسابه ولصالح انتخاب عون رئيساً.
ولا يبدو ان فريق 8 اذار يتابع المراقبون في صدد اعلان دعمهم للمرشح عون قبل انجلاء موقف الرئيس الحريري او قوى 14 اذار مجتمعة لاعتبارها ان هذا الاستحقاق من شأنه ان يفجر هذا الفريق ويدفع قواه للتباعد على غرار الاستحقاقات النيابية والنقابية، عدا ان «حزب الله» حتى حينه، يترك للعماد عون ادارة معركته من خلال اتصالاته في اتجاه سائر القوى والمستقبل بنوع خاص، حرصا من ان يكون لاعلان دعمه اثرا سلبيا في ظل التقدم الذي يراهن عليه ناشطون في فريق عمله في اتجاه العواصم الكبرى التي بدلت رأيها لصالح عون.
وفي ضوء التحضيرات والاستعدادات للاستحقاق الرئاسي المرتقب ان ترتفع الحماوة السياسية والاعلامية المحيطة به، فان النائب ميشال المر على ما نقل عنه احد الطامحين وايضا وسيط من قبل مرشح رئاسي اخر، يستبعد اتمام الاستحقاق الرئاسي ضمن المهلة الدستورية، اذ في منطق المر الضليع بالاستحقاقات الرئاسية ومسارها يجد ان الظروف الاقليمية والخارجية ليست مؤاتية حاليا لانتخاب رئيس ضمن المهلة الدستورية من عداد المرشحين الظاهرين او المعلنين، اذ من المرجح ان تدخل البلاد مرحلة من الفراغ لعدة اشهر لكون الملف اللبناني مرتبط باستحقاقات تشهدها المنطقة ولا سيما السوري منها الذي يصادف موعده في الصيف المقبل.