لعل أسوأ ما يطالعك عند صبيحة ذكرى نشوب الحرب في لبنان هو الرقم وما ادراك ما دلالاته؟.
تاريخ ١٣ نيسان ١٩٧٥ صار اولا جزءاً من مكونات اللبناني يطبعه بطابع التكوين الانقسامي الحاد. على رغم مرور العقود الاربعة على هذا التاريخ المتعارف عليه انه اطلق شرارة الحرب لا يزال التكوين القتالي قائماً بل لعله تفاقم انحداراً وليس ادل على ذلك من تفشي خطاب الكراهية والحقد في السنوات الاخيرة. خطاب قد تسعف الذاكرة مجايلي نشوب الحرب آنذاك للمقارنة بين حقبتين فيتبين لهم ان خطاب هذه الأيام وثقافة الحيز الأوسع من اللبنانيين أمستا أشد انحطاطاَ وأكثر قابلية للعنف يحفزهما طبعاً انحطاط سياسي وهبوط اعلامي وتصحر فكري لعله الوجه الأخطر لمآل لبنان اليوم.
ثم ان رقم الـ ٣٩ في تعداد الاعوام والسنين يصدم كل من استيقظ ذاك الأحد ليجد كابوس الحرب جاثما على حياته في صورة بوسطة منخورة بالرصاص. رقم يقول لك انك عشت أربعة عقود وانت لا تدري ان الأعمار في لبنان وفي هذه المنطقة من العالم ليست سوى ارقام وان لبنان الذي كان سباقاً في الحروب والفتن مضى في لعنته هذه حتى في زمن السلم الهش فلم تتنبه الى انك اللبناني الذي يدمن الازمات وينسى ان العمر ينزلق غفلة.
كما ان الرقم يطاردك اكثر في واقع “حروب الآخرين على ارض لبنان”، التسمية التاريخية للحرب التي أطلقها كبير الكبار الذين راح معهم لبنان القامات غسان تويني، وهي التسمية التي لا يزال عتاة المكابرين ينكرونها كالمريض الناكر مرضه. مع نصف مليون فلسطيني وهيكلية مسلحة أضحت الدويلة تأكل الدولة اللبنانية واشتعلت حرب افضت في اقل التقديرات الى هجرة مليون لبناني وتشتيتهم على انحاء الاغتراب مع مئات ألوف الضحايا والجرحى والمخطوفين والمغيبين والمعتقلين. وإذ بنا بعد اربعة عقود امام مليون ونصف مليون لاجئ سوري اضافي في واقع دولة تفرجت على أكبر خطر وجودي يتعرض له لبنان في تاريخه وعجز قرارها السياسي عن مجرد نصب مخيمات للاجئين لأن الارتهان والتبعية والقصور بل والفساد أيضاً صاروا اكثر من اي وقت مضى المرض الذي ينهش الطبقة السياسية . وكما كان العامل الفلسطيني المتفجر شرارة تقويض دولة الاستقلال الاول تشارف الجمهورية اللاهثة الآن لمنع فراغ رئاسي حدود انهيار أعم واشمل وأخطر مع اغراقها بأكبر أزمة لجوء عرفها بلد في العالم.
لا ندري كم تقيم الوقائع الرقمية العلمية من اثر بعد في لبنان ما دامت ٢٥ عاماً من اتفاق الطائف ودستوره لم تكف حتى اليوم لتوحيد المفاهيم الدستورية والسيادية والاستقلالية البديهية. ولكنهما كلمتان فقط تختصران ١٣ نيسان ورمزيته: الحدود السائبة، وكفى.