في خضم مرحلة انتخاب الرئيس المُؤتَمَن على الوطن والدولة، أراد سمير جعجع أن يكشف ما في ضميره من اندفاع، لفكّ أسر مفهوم الدولة من الذين كانت آيات سرورهم تحقيق حال هي اللادولة، أو الدولة البديلة التي لا تمتَ بصلة الى مفهوم الدولة الحديثة كما يحدَده القاموس السياسي العالمي، وكما يريده أغلب اللبنانيّين.
وفي صلب حراك مشبوه يرمي “الطّاهرون” ومَن يلوذ بهم من الأدعياء، الى إضعاف النسيج الوطني ليصبح غير قادر على حماية نفسه، فيُفسح لهم في المجال لامتلاك السلطة باللجوء الى الوسائل غير المشروعة. لا بدَ هنا من تعريف موضوعي لمفهوم الدولة الذي يمثّله فكر جعجع الإستراتجي، وذلك للأضاءة على الخطر الداهم في الطّرح المُقابل والذي يعني إنهيار بنى الدولة الموجودة، وبالتالي إقامة المشروع الأثني الذي يعيدنا الى زمن الخلافة.
لقد تبنّى سمير جعجع النظريَات التي عالجت مفهوم الدولة، والتي أقرَت كلها بأنَ الدولة هي مجموعة من الأجهزة المكلَفة تدبير الشأن العام للمجتمع. وقد نشأت، كما قال “هوبز”، ضمن تعاقد ارادي وميثاق حرَ بين المواطنين لينتقل هؤلاء من حال الطبيعة، أي حرب الكل ضد الكل، الى الحال المدنية.
من هنا طرحت نظرية العقد الأجتماعي تبريراً كلاسيكياً لنشأة الدولة وذلك من خلال تصوَر شكل الحياة في مجتمع بلا دولة، أي في حال الفطرة، وهي حال تتَسم بحروب أهلية وصراعات مستمرَة وسيطرة شريعة الغاب حيث الحق للقوة. وذلك ما هيَأ للناس أتفاقاً أو عقداً يضحَون بموجبه بجزء من حريَتهم من أجل أقامة كيان ذي سيادة، يستحيل من دونه حفظ النظام والأستقرار. فغدت الدولة الضمان الأوحد ضد الفوضى وألغاء الآخر والأنارشية التي بلا ضوابط . فالدولة أذا هي ضرورة وحاجة، والغاية من تأسيسها تأمين الحرية للأفراد والحفاظ على حقهم الطبيعي في الوجود باعتباره وجوداً حراً.
والدولة، كما يراها طرح “القوات اللبنانيّة”، هي الشخصية الحقوقية المعنوية التي تفرض سيادتها على مساحة الوطن، وتنبثق عنها السلطات التي تدير شؤون مؤسساتها. وهي بالتالي الحامية والضامنة لحقوق الناس. هذا الطّرح الذي ينسجم مع ما ذهب إليه علماء الأجتماع الذين اعتبروا أنَ الدولة هي حال تعبير عن سموَ الفرد عن أنانيَته، ورقيَه الى مستوى الوعي الجماعي. وقد قال “روسَو” في هذا المجال: انَ الدولة هي تجسيد للأرادة العامة في الأمتثال للقوانين بدل الخضوع لسلطة القوي. من هنا يصحَ الأستنتاج أنَ الدولة هي الناظم الأساسي للتشكيل الأجتماعي، والجهة المؤتمنة على السياسة التي يتمَ بها تنظيم حياة الأفراد داخل مجتمع ما، اعتماداً على مؤسسات تشكل جهاز الدولة. وهكذا يمكن للأنسان أن يضفي على حياته نوعاً من الأستقرار والنظام عبر التقيَد بمبادئ وقوانين تشرف عليها سلطة عمومية. فالدولة هي بالفعل الكيان السياسي والأطار التنظيمي الذي يوحَد المجتمع، وهي تجسيد للخير العام والمصالح المشتركة للمجتمع.
أما خصائص الدولة التي يؤمن بها سمير جعجع فهي ممارسة السيادة، أي أنَها صاحبة القوة العليا غير المقيَدة في المجتمع، وهي تعلو بذلك فوق أيَ تنظيمات أو جماعات موجودة داخلها. كما أنَ أجهزتها هي المرجعية الوحيدة المسؤولة عن صياغة القرارات العامة وتنفيذها. انَ هذه القرارات ملزمة للمواطنين جميعا كونها تعبَر عن المصالح الأكثر أهمية لهم. والدولة تحتكر وحدها “العنف الشرعي” كما يقول “ماكس فيبر”، أي انها تمتلك منفردة قوة الإرغام لضمان الألتزام بقوانينها، وهي ليست أبداً جهازاً قمعياً. وتمارس الدولة اختصاصاتها هذه على كامل الاقليم الوطني الذي يشكل وحدة سياسية قائمة بذاتها.
انطلاقاً من هذا الكمَ النظري الموضوعي الذي أنتج وعياً راسخاُ لمفهوم الدولة، كيف يمكن أن نوصّف ما يجري راهنا وهو غير بريء، أذ يهدف الى تقويض ما هو قائم لبلوغ ما يرتجيه بعضهم وهو مشبوه؟ أن الأزمة الإستراتيجيّة الحادة التي يمرَ بها الوطن تتناول قضية كيانيّة هي وجوده. وهي النقطة الأكثر أهميّة في الإختلاف البنيوي بين طرح سمير جعجع وطرح سواه.
وبكلام أكثر وضوحاً، ان التخريب والحاق الضرر بمؤسسات الدولة وأضعاف مقوَماتها وأفراغها من مضمونها، ما يمارسه أمر واقع أمني يعمل كدولة، لهو تعبير صارخ عن النضال المزيَف الساعي الى السلطة لا غير. هذه السلطة القائمة على مبدأ التفويض الالهي والتي تمارس الطبقية الأنتسابية، بعيداً عن مبدأ التعاقد الذي يعكس الأرادة العامة للناس باعتبارهم أحراراً ومتساوين . كما أن الدولة في نظر هذه الفئة لم تنشأ ككيان اجتماعي سياسي اقتصادي عسكري، لذلك لا اساس لوجودها كدولة فعلية بالنسبة اليهم. والبديل “المحضَر” هو نموذج هجين لا يتناسب مع التركيبة الوطنية ومع أسس التشارك في العيش الكريم للجميع.
أمام حال التقسيط السياسي هذه، والتي ينبغي التنبَه لها، يجب التأكيد أن حياة الناس مرهونة بوجود الدولة، التي وحدها ترعى الشأن العام الذي يجعل منها سلطة شرعيّة تعمل على أشاعة النظام وتحقيق الأمن، وتأمين الحقوق ورعاية المصلحة الجماعية، وتحرير المواطنين من خوفهم بتوفير حماية لهم من كل أشكال العنف والتسلَط، وذلك ليسود مناخ العدالة والحرية. اننا نضع هذا التنبيه برسم النّاس والنوّاب والمسؤولين السياسيّن والروحيّين في”دولتنا” كي يدركوا أن لا خلاص إلاّ بتينّي ترشيح سمير جعجع للرئاسة، لئلاّ يصحَ فيهم ما قاله جورج بوش: “لو أتيح للناس اكتشاف الحماقات والأخطاء التي ارتكبناها بحقَ وطننا وشعبنا ودولتنا، لعمدوا الى مطاردتنا في الشوارع لإعدامنا”.