التاريخ يعيد نفسه

            في عام 1979 عاد آية الله الخميني الى طهران بشكل لافت للنظر، إذ كيف كان يسكن في العراق وتحديداً في النجف هرباً من شاه إيران الذي قتل له إثنين من أبنائه في التظاهرات وانتقل بعدها الى باريس – فرنسا وسكن هناك في خيمة تحت أضواء الإعلام العالمي الغربي خصوصاً.

من كان يموّل الخميني؟ من كان يدفع ثمن ملايين الكاسيتات من الخطابات؟ ومن أعاده الى إيران؟

            كل هذه الأسئلة تبيّـن أنّ الجواب عليها بسيط ومن خلال ما حصل في العالم الغربي بين إيران والعراق، على الرغم من أنّ نظام الشاه كان قوياً جداً، وكان الأميركيون يعتبرون أنّ إيران هي خط الدفاع الأوّل ضد الاتحاد السوڤياتي.

جاء الخميني ليطيح بحكم الشاه بالقوّة ويجلب الى الحكم تنظيماً دينياً متطرّفاً يدعو الى تشييع أهل السُنّة، لماذا وكيف وما هو الفرق بين أهل السُنّة وأهل الشيعة؟

            غير مهم، المهم أنّ آية الله الخميني هو الإمام المنتظر – المهدي، وأنّه سوف يحرّر العالم من الشيطان الأكبر وسوف يحارب إسرائيل ويسترجع القدس، طبعاً القدس هي مفتاح أهم قضية عند المسلمين والعرب خصوصاً الدول العربية التي تحارب إسرائيل منذ عام 1948 يوم النكبة يوم تآمر الانكليز ونفذوا “وعد بلفور” وطرد اليهود المتطرّفون “الهاغانا” المواطنين الفلسطينيين من بيوتهم ومن أراضيهم واحتلوا قسماً من فلسطين ولم يكتفوا بذلك بل وبمساعدة أميركا عام 1967 وتمثيلية سفينة التجسّس الاميركية “ليبرتي” Liberty التي أغرقها اليهود ليحتلوا الضفة الغربية والقدس وصحراء سيناء وقسماً من سوريا -الجولان- ووصلوا الى القنيطرة وجبل الشيخ.

بقيت الحرب الإيرانية – العراقية 8 سنوات، كان الإيرانيون يلبسون أكفانهم ويذهبون لمحاربة العراقيين لأنهم سوف يحصلون على منزل في الجنّة التي وعدهم بها آية الله الخميني.

بقيت الحرب الإيرانية – العراقية لمدة 8 سنوات فماذا كانت نتائجها: اتفاق سلام، قال عنه الخميني إنّه كتجرّع كأس السم.

أما على الصعيد الاقتصادي فقد تم تدمير اقتصاد إيران وتدمير اقتصاد العراق، وللعلم فإنّ العراق قبل الحرب كان عنده فائض في الميزانية يقدّر بـ 100 مليار دولار، وبعد الحرب أصبح العراق مديناً بمبلغ يفوق 200 مليار دولار. طبعاً مع تدمير البنية التحتية والجيش العراقي والجيش الإيراني.

8 سنوات لم يتغلّب أي فريق على الآخر، والنتيجة ربح كامل لإسرائيل وخسارة كاملة للمسلمين والعرب تحديداً.

اليوم ما يجري في سوريا يشبه الى حد ما ما جرى بين إيران والعراق: تدمير العرب والمسلمين لمصلحة إسرائيل.

واليوم ما يجري في سوريا هو ببساطة خسارة للمسلمين والعرب خصوصاً الشعب السوري.

من يقوم بهذه الحروب؟

            من هنا نفهم لماذا جاء الخميني الى إيران، اليوم حرب بين التطرّف الشيعي والتطرّف السنّي والربح لإسرائيل.

عندما يقول خامنئي إنّ سقوط سوريا هو سقوط إيران، ماذا يعني هذا الكلام؟ ببساطة هذا يعني أنّ مشروع تدمير العالم العربي والإسلامي هو مشروع إسرائيلي تنفذه إيران بدقة متناهية.

الحاكم الفعلي لدولة العراق هو قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري، وما وجود المالكي إلاّ صورة لحاكم لا يحكم حتى على الكرسي التي يجلس عليها، والحاكم الفعلي اليوم لسوريا هو قاسم سليماني أيضاً الذي يقرّر ماذا يجب أن يكون.

المهم اليوم أنّه على الرغم من الأوضاع الامنية الصعبة في العراق حيث لا يمر يوم واحد إلاّ ويقتل 50 مواطناً وتفجر 10 سيارات مفخخة، والمالكي يريد إجراء إنتخابات.

أولاً: يُـمنع حسب القانون العراقي وحسب الديموقراطية التي جاءت بها أميركا الى العراق أن يمدّد له أو أن يترشح لأكثر من ولايتين إنتخابيتين.

طبعاً بشار الأسد اليوم أيضاً، يرغب قاسم السليماني في أن يعيّـنه مجدداً رئيساً لسوريا.

10 ملايين مهجّر من أصل 23 مليون سوري، 200 ألف قتيل خلال 3 سنوات، وللأسف الى تدمير نصف بيوت قرى ومدن في سوريا، حمص، حلب، اللاذقية، كسب، دمشق وضواحيها، الغوطة، درعا، القنيطرة – الحسكة، البوكمال، الرقة، لا يوجد بقعة في سوريا إلاّ والحروب تدور فيها، وبشار الاسد يريد إجراء إنتخابات ويترشح، طبعاً إنجازاته لم تكتمل بعد، يريد أن ينتهي من الشعب السوري بالكامل، هكذا هي رسالته في الحياة التي يؤمن بها ويعمل لتحقيقها.

لا شك في أنّ هذا الرجل ليس فاقداً للشرعية فقط بل فاقد للإنسانية وللوطن وللشعب وللتاريخ وللجغرافيا، ليس عنده حب لشيء في الدنيا إلاّ الكرسي التي يظن نفسه أنّه جالس عليها.

في الختام، ربما قد نسيت كيف تجرى الانتخابات التي يديرها الحرس الثوري في إيران وهي فعلاً مضحكة، إذ أنّ مجلس تشخيص مصلحة النظام هو الذي يقرّر السماح لأي مرشح بالترشح أو عدمه، بمعنى آخر إنّ الذي يسمح له الحرس الثوري بالترشح يترشح.

شيء جميل وديموقراطية حقيقية فعلاً إنه شيء مضحك مبكٍ، إذا كان الحرس الثوري هو الذي يجري الانتخابات في إيران بهذا الشكل فكيف ستكون في سوريا أو في العراق؟

المصدر:
الشرق

خبر عاجل