#adsense

رئيس للبنان

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة”: لماذا كل الناس في الشارع؟ لماذا انفجرت هذه المطالب المعيشية كلها في لحظة واحدة؟ ماذا يريد كل هؤلاء الذين يتحرّكون ويريدون أن تتحقق مطالبهم؟ لماذا لم تتوجه كل هذه القوى إلى حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لتلبية مطالبها؟ ولماذا تنتظر من حكومة الرئيس تمام سلام أن تحققها؟ هل كانت تعتبر أن حكومة  “حزب الله” لا أمل منها ولا فائدة وأن هذه الحكومة تحمل الأمل ويمكن المراهنة عليها؟ وما هي علاقة هذا الموضوع بانتخابات رئاسة الجمهورية؟ ربما الجواب هو في السؤال: هل يجب أن يبقى لبنان مزرعة أم أن يصبح دولة وأن يكون هناك رئيس بإمكانه أن يعيد إليه مفهوم الدولة والمؤسسات ويخرجه من ساحة المراهنات واللعب بمصيره؟ ومن هنا يمكن فهم أهمية ترشح الدكتور سمير جعجع للرئاسة من أجل هدف واضح: إسترداد الدولة.

منذ العام 1990 يدفع لبنان ثمن مفهوم هدم الدولة وبناء دولة رديفة مكانها لها جيشها واقتصادها وموازنتها وعلاقاتها الإقليمية وقراراتها في الحرب. لقد سقط مفهوم الدولة منذ احتل العماد ميشال عون قصر بعبدا ومنع وصول الرئيس المنتخب رينيه معوّض إليه ليفتح الطريق واسعًا أمام جعله هدفا سهلا للإغتيال ولإسقاط عهده قبل أن يبدأ وإسقاط الطائف الذي كان لا يزال برعاية دولية سعودية تبنت حلا للبنان يخرجه من الحرب ويؤسس لقيام الدولة. لم يكن غريبا أن يعارض عون و”حزب الله” تسوية الطائف التي أسست للبنان جديد وللخروج نهائيا من الحرب إلى السلم الحقيقي. ولم يكن غريبا أن يحتل الجيش السوري قصر بعبدا ووزارة الدفاع في 13 تشرين الأول 1990 ليعلن بالتالي إنهاء الدولة وقيام الطائف السوري وبداية عهد الوصاية. منذ ذلك التاريخ بقي القصر محتلا بصورة عسكرية مباشرة ومن خلال فرض الرئيس الذي يريده النظام السوري و”حزب الله”. ولذلك قامت القيامة على الرئيس ميشال سليمان عندما بدأ يأخذ مواقف يستشف منها أن السيادة الرئاسية عادت إلى موقع الرئاسة وإلى القصر. وربما لذلك يجب أن تستكمل هذه المعركة باستعادة موقع الرئاسة من أجل إعادة بناء الدولة. وهذه هي معركة سمير جعجع و14 آذار.

منذ العام 1990 سقط مفهوم الدولة وقام مفهوم المزرعة. في ظل منطق تسخير كل مقومات الدولة وجعلها في خدمة دويلة “حزب الله” استمرت عملية الإنهيار. الجيش اللبناني بقي جيشا ثانيا والأولوية بقيت لجيش “حزب الله”. الإقتصاد بقي في خدمة مشروع “المقاومة”. الهدر تفشى في كل مؤسسات الدولة ولم يكن من الممكن وقفه وتعممت حالات الفساد. حاول الرئيس رفيق الحريري أن يمشي بمشروع منع الإنهيار وبإعادة إنعاش الإقتصاد والمؤسسات ولكنه منذ سُمِح له بأن يكون رئيسا للحكومة حدّدت له سلطة الوصاية مجال تحركه وحاصرته من كل الجهات وعندما حاول الخروج عن الخط تم اغتياله.

في العام 2004 كانت هناك محاولة جدية للخروج من سلطة الوصاية وكان هناك قرار دولي باستعادة لبنان سيادته. العالم كله اهتم بمسألة عدم التمديد للرئيس أميل لحود. تعاطى النظام السوري مع هذا التحوّل باستخفاف وفرض التمديد فكان القرار 1559 الذي نص على سحب الجيش السوري من لبنان وعلى نزع سلاح “حزب الله”.

لكن التمديد حصل وبدأت المواجهة. كان المطلوب أن يتم الخيار بين أن يبقى لبنان على غرار هانوي أو أن يصبح على غرار هونغ كونغ. عندما جاهر النائب وليد جنبلاط بهذه المعادلة كانت الرسالة واضحة في محاولة اغتيال النائب مروان حماده. واليوم مطلوب من اللبنانيين أن يختاروا أي لبنان يريدون: لبنان هانوي أم لبنان هونغ كونغ.

منذ العام 1990 دفع لبنان ثمن خيار هانوي. “حزب الله” يقرر في كل شيء ولديه “الفيتو” على كل شيء. تراكم الفساد والدين العام وترهلت الإدارة الرسمية وهربت رؤوس الأموال والمبادرات الإقتصادية وبدا لبنان كأنه وطن ميؤوس منه. كل ذلك أدى إلى هذا الإنفجار في الشارع اليوم.

في مرحلة ما بعد العام 2005 تراءت للبنانيين فسحة أمل. كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة ليتحرّروا من وهم دولة الوصاية والمقاومة ويحققوا حلم قيام الدولة القوية والقادرة فكانت لحظة 14 آذار 2005. ولكن تلك الوصاية لم تسقط. صحيح أن الجيش السوري أجبر على الخروج من لبنان ولكن وصاية “حزب الله” البديلة منعت الدولة من القيام معتمدة كل الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف. من الإغتيالات إلى حرب تموز فحصار السراي الحكومي ومحاولة منع قيام المحكمة الدولية، إلى 7 ايار إلى القمصان السود إلى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، إلى الحرب في سوريا. كلها محاولات كبدت لبنان واللبنانيين ثمنا كبيرا ومنعتهم من بلوغ هدف إقامة الدولة وأسقطت كل الفرص التي لاحت في الأفق.

يعرف اللبنانيون أنهم ضحية هذه الإستراتيجية التي سلبتهم كل مقوّمات الحياة. ويدركون أنهم طالما بقيوا أسرى هذه الإستراتيجية فلا قيامة للبنان ولذلك يتوقون إلى التغيير. ولكن “حزب الله” لا يزال يحول دون ذلك. اعتقدوا أن هذه الفرصة سنحت في العام 2005 وتأكدوا أن “حزب الله” أسقطها. اعتقدوا ثانية أن هذه الفرصة لاحت في العام 2009 بعد الإنتخابات النيابية ووصول الرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة ولاحظوا أن العالم كله كان مهتما بتثبيت عملية التغيير وبأن الإقتصاد تحسن بصورة كبيرة وأن العام 2009 كما العام 2010 شهدا أكبر نسبة تدفق للسياح وأن صورة لبنان الحلو ما قبل العام 1975 ترتسم من جديد، ولكنهم صدموا بإسقاط حكومة الرئيس الحريري كما صدموا بحصار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2007.

لكن هذه الصدمات لم تسقط رغبتهم في قيام الدولة. كانت التجربة خير برهان. قضت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على كل الآمال التي كانت مرسومة. أمسك “حزب الله” بالقرار الحكومي وذهب إلى القتال في سوريا. كان يسخر الدولة كلها في الحرب ضد إسرائيل فسخرها في سبيل حربه في سوريا. أراد أن يأسر لبنان كله حتى لو صار معه مثل كوريا الشمالية. هربت الأموال. توقفت المشاريع. اختفت السياحة. أقفلت المؤسسات. انهار الوضع الأمني. أتت السيارات المفخخة والإنتحاريون. زادت البطالة. تفاقمت الهجرة. في دولة كهذه كيف تأتي الكهرباء؟ وكيف تتحقق مطالب الموظفين والعمال؟ وكيف يتم وقف الهدر والفساد؟ وكيف تخلق فرص العمل؟ ثمة اتجاه واحد في هذه المعادلة: الإنهيار. وثمة خيار واضح للمواجهة: استعادة الدولة من خلال رئاسة الجمهورية.

لماذا؟ لأن استمرار نظرية احتلال قصر بعبدا تعني استمرار الأزمة. ثمة شيء واحد يربط بين هذه التحركات المطلبية كلها: الشعب يريد إسقاط دولة الوصاية والتحرّر من استراتيجية “حزب الله”. الشعب لا يريد لبنان على صورة بيروت 1975. يريده على صورة بيروت 2020. وطنا يرسم فيه صور أحلامه لا صور ضحايا القتال في الداخل وفي سوريا. وطنا لا تتكرر فيه الحرب في العام 2014 بل يولد فيه الأمل في 25 أيار من قصر بعبدا.

لكل هذه الأسباب يترشح سمير جعجع. كل هذه المطالب لا يمكن أن تحققها دولة “حزب الله”. كل هذه المطالب تحتاج إلى دولة جديدة إلى رئاسة للبنان لا إلى رئاسة خاضعة لمنطق استمرار المزرعة.

شعار استقلال 2005 يجب أن يتكرر في سنة 2014. هذا ما يريده سمير جعجع وهذا ما وجدت من أجله 14 آذار. مشروع الدولة لا مشروع السلطة. ولكل هذه الأسباب لا يمكن أن يسقط الربيع العربي في لبنان. وإذا كان هناك من يبحث عن تسويات تتم على مستوى العلاقة بين السعودية وإيران فلا شك في أن هذه التسويات إذا كانت ممكنة فلن تكون في مصلحة إيران. السعودية لا تقاتل اليوم في سوريا. السعودية لا تخشى انهيار المعارضة. إيران تقاتل هناك. “حزب الله” يقاتل. النظام يكاد ينهار. يقفل جبهة فتفتح عليه جبهات. “حزب الله” ينتهي من معركة فيجد نفسه في معركة جديدة. امين عام الحزب السيد حسن نصرالله يقر بأن لا حل عسكريا للصراع في سوريا. فلماذا دخل فيه؟ وهل يحتاج اليوم إلى من يخرجه من حرب بلا أفق وبلا أمل في الإنتصار؟ لا شك في أنه يتذكر اليوم حرب عبد الناصر في اليمن. أكثر من مئة ألف جندي مصري لم يتمكنوا من حماية جمهورية اليمن الإنقلابية. الملك فيصل لم يرسل جنديا سعوديا إلى اليمن. بعد أعوام خسر عبد الناصر حربين: حرب 1967 ضد إسرائيل وحرب اليمن. وبقي النظام في السعودية بقيادة الملك فيصل بعدما كان أحد أهداف الثورة في اليمن هز عرش المملكة. اليوم تتكرر التجربة وقد يخسر “حزب الله” حربين: حربه ضد إسرائيل التي انتهت عمليا بالقرار 1701 وحربه في سوريا التي لا يمكن أن تنتهي إلا بالعودة إلى الدولة اللبنانية إلى استراتيجية دفاع الدولة والخروج من استراتيجية دفاع الحزب. هذه العودة الى الدولة لا يمكن أن تتحقق إلا مع رئيس جمهورية يستعيد الدولة وسمير جعجع أعطى إشارة الإنطلاق.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل