الانسداد اللبناني لقنوات التفاوض الاجتماعي

  ليست وظيفة النقابات في أي بلد من العالم أن تقرن تحركاتها ومطالبها بمطالعة الخبراء الاقتصاديين والماليين والقانونيين. ليست وظيفة النقابات أساساً الوقوف على التداعيات المنظورة وغير المنظورة. وظيفتها أن تتحرّك دفاعاً عن مصالح المؤطّرين ضمنها وسعياً وراء تجسيد الحقوق من خلال تحقيق المطالب.

في المقابل، ليست وظيفة الخبراء الاقتصاديين والماليين والقانونيين في أي بلد في العالم الحلول مكان النقابات لتصنيف المطالب بين مسؤولة وغير مسؤولة. وليست كذلك الأمر وظيفة مفاتيح رأس المال، وأرباب العمل، والحكومة والدولة. بالمختصر، وظيفة النقابات من جهة، ووظيفة الهيئات التي تتوجه اليها النقابات في تحركاتها ومطالبها من جهة أخرى، تشترط، لكي يكون لها معنى وجدوى، أن يؤدّي كل دوره، في الدفاع عن مصالحه الخاصة، بالشكل الذي يعتقده كل فريق أنه الأنسب. فالمسألة تتعلق قبل كل شيء بقنوات التفاوض الاجتماعي. وهذا بيت القصيد في الحالة اللبنانية: انسداد هذه القنوات، وعدم إمكانية أن تجد المسألة الاجتماعية مداخل جدية لمعالجتها، في كنف الدولة، وعدم إمكانية استبعاد المسألة الاجتماعية بحجة أنه ينبغي فك أسر الدولة، أو تحريك الاقتصاد في الأول.

في التفاوض الاجتماعي لا يمكن أن يخاطب فريق الآخر بأنه أدرى بمصلحته، كما لا يمكن أن ينكر فريق على آخر التناقض في المصالح. في الحالة الأولى تتكدّس حالات «الأبوية» الكلامية في مواجهة الاحتجاجات والمطالب، وفي الحالة الثانية تتفاقم حالات «الغوغائية» التي توهم نفسها والآخرين بأنّ أي مطلب يجد شرعيته في ذاته، وليس من خلال التفاوض الاجتماعي الذي إما أن يقرّه، كما هو أو معدّلاً، أو لا يقرّه.

هذه عودة الى مسألة بسيطة: المصالح الاقتصادية متناقضة بالضرورة بين أبناء المجتمع الواحد. المواطنية لا تعني أبداً إنكار تناقض هذه المصالح، وإنما توطيد وتوسيع قنوات التفاوض الاجتماعي، في ظلّ حكم القانون، وعلى محك التحديث المستمرّ للتشريعات الاجتماعية ولأشكال التنظيم والتحرك النقابي والاجتماعي. في مجتمع تتفتح فيه قنوات التفاوض الاجتماعي، ويزدهر فيه مبدأ المواطنية بشكل معاش، يمكن، من دون أي حاجة الى صدمة من أي نوع، الاعتراف بأن المصالح الاقتصادية لهذا القطاع تتناقض مع مصالح ذاك، وأنّ مصالح موظفي الدولة مثلاً يمكن أن تتناقض مع موظفي القطاع الخاص، أو أن مصالح الموظفين ككل يمكن أن تتناقض مع مصالح المكلّفين الضريبيين من غير الموظّفين.

هنا بالتحديد تبرز الحلقة المفرغة التي تعيشها «المسألة الاجتماعية» في لبنان، ليس منذ اليوم، بل في أقل تقدير منذ انتهاء الحرب اللبنانية، وإقرار مقدمة دستورية تلحظ في الوقت نفسه، العدالة الاجتماعية، عرضاً، والاقتصاد الحر والمبادرة الفردية والملكية الخاصة، تشديداً.

هي حلقة مفرغة لأنّ الثقافة المخيمة على هذا الملف لا تسمح بالقول الصريح بإمكان تناقض مصلحة قطاع من الناس مع قطاع آخر، إلا من موقع الابتذال «الطبقوي» الكاريكاتوري الذي يحيل على ثنائية «أخيار وأشرار».

والحال أننا نعيش في بلد سدّت فيه قنوات التفاوض الاجتماعي تباعاً، من ضمن التلف اللاحق بمؤسساته وهيئاته، لكن مطالب الناس لا يمكن أن تنتظر الى ما لا نهاية انفتاح هذه القنوات، ولا قيام حكم القانون، ولا إصلاح النقابات، مثلما لا يمكن القول لمطالب الناس بأنه «ليس وقتها الآن» بحجة أي قضية وطنية أو بحجة أي انقسام أهلي كان. من يقع في هذا الخطأ يخاطر بأن يسلّف غريمه شرعية اجتماعية ليست له.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل