لا أعرف تماماً لماذا أُصاب بمغص في معدتي وضيق في تنفسي كلما قرأت أو سمعت تصريحاً لمسؤول في إدارة باراك أوباما عن سوريا، وخصوصاً تكرار الإشارة الى أن المجتمع الدولي «يراقب» ما يفعله بشار الأسد، وأن هناك «قلقاً على نطاق واسع من أفعاله» بحسب ما قالت الناطقة باسم الخارجية الأميركية جينيفر بساكي بالأمس!
والواضح أن الأمر احتاج الى ثلاث سنوات بالتمام والكمال، والى هستيرية تدميرية عزّ نظيرها اشتملت على مقتل أكثر من 250 ألف سوري جُلّهم من المدنيين وجرح مئات الآلاف وفقدان مثلهم وتهجير الملايين وتخريب ديارهم وتدمير أرزاقهم وممتلكاتهم وتحطيم البنيان المؤسساتي للدولة بكل فروعه وأصنافه وأشكاله.. احتاج الأمر الى ذلك كله وأكثر منه كي يكتشف العالم بأسره أن إدارة أوباما صارت خلية «تحليلية» تطرح «رأيها» مثلها مثل كاتب هذه السطور وما هو أدنى! وتخلص الى «نتيجة» مخالفة لرأي الأسد القائل إن الوضع يشهد انعطافة لمصلحته!
والواضح أكثر، أن كل ما تشهده سوريا ما كان ممكناً له أن يحصل في معظم محطاته الشنيعة والصادمة والمهينة لكرامة البشر أينما كانوا لو أن إدارة مستر أوباما لوّحت، مجرّد تلويح، بشيء أكبر وأكثر من «التحليل السياسي»، لجبه التدخل الفظّ والوقح لإيران وملحقاتها وأدواتها، ولروسيا ودوائرها ومخازنها وفيتواتها، في الحرب الإبادية السورية..
ما كان، وليس مطلوباً أن تقاتل واشنطن نيابة عن شعب سوريا. ولا أن ترسل جنودها وحاملات طائراتها الى محيط الجغرافيا المنكوبة بالحساسية المفرطة الآتية من وجود دولة مثل إسرائيل، بل كل ما كان مطلوباً (ولا يزال) هو المحافظة على ستاتيكو التوازن (سمّه توازن الرعب إذا شئت) الذي يمنع جموح أي دولة كبرى نحو الفتك والعدوان لخدمة ما تعتبره مصالحها الاستراتيجية أو لحماية ما تفترضه مجالها الحيوي أو أمنها القومي!
لو حصل ذلك ما كان بوتين اليوم يعربد في أوكرانيا. وما كانت أوروبا والعالم الليبرالي بأسره أمام مأزق استراتيجي هو الأخطر منذ انتهاء الحرب الباردة… وما كانت كوريا الشمالية تصعّد وتيرة استفزازاتها إلى حد المراوحة عند حافة الحرب الشاملة مع ضرّتها الجنوبية وجارتها اليابان… وما كان هذا العالم على حافة العودة إلى الوراء وإلى منطق السباق التسليحي والعسكري والتصادم السياسي والفكري والاقتصادي بعدما كان الظنّ أن العولمة المالية والتجارية (قبل أي شيء آخر) حكمت العقول وتسيّدت المنطق السليم ودفعت بخرافة «حتمية» الصراعات الفكرية والدينية والقومية المفتوحة إلى رفّ النسيان والغثيان.
… السيرة تطول. لكنني سأختصر وأقول إنني ذهبت إلى طبيبي وعرضت عليه العوارض التي تنتابني، فتعامل معي بحرفية وأجرى لي كل الفحوص المطلوبة، ثم أبدى حيرة من أمري لأن النتائج لم تتطابق مع مسببات تلك الأعراض لكن ما ان أخبرته بـ«قصتي» مع أوباما وإدارته حتى ضرب كفاً بكف وصفن لبرهة خلتها دهراً، ثم عبس ثم تولّى ثم تنحنح ثم أفصح ثم زعق ثم نطق فقال: أنصحك بالإكثار من المشي في الهواء الطلق وممارسة الرياضة في الإجمال وتخفيف أكل النشويات وخصوصاً البطاطا والأرز واللحم بعجين، وتقليل التدخين وشرب القهوة. لكن ذلك كله لن ينفع في «حالتك» إذا لم تكف فوراً حالاً تماماً بتاتاً عن ملاحقة أوباما وسياسته وخصوصاً في سوريا…
وإلى متى؟ سألته. فأجاب: إلى أن تجتاح جيوش بوتين واشنطن، وترتفع بيارق أحمدي نجاد فوق البيت الأبيض!
إنجاز طبي غير مسبوق، ارتأيت لشدة إيماني بالمصلحة العامة وحسّي الاجتماعي، أن أعممه على الجميع.. وشكراً.