والمقصود بهذا المعنى أنّه بخلاف الشائع، ليس المطلوب في هذه المرحلة تمديد الأزمة اللبنانية لسِتّ سنوات إضافية، في الوقت الذي كلّ الوضع الممتدّ من القاهرة إلى طهران وصولاً إلى دمشق وبغداد مرشّح للتغيير في غضون سنة أو سنتين، ما يعني أنّ المواصفات المطلوبة للرئيس العتيد أن يكون صاحب مشروع، وقادراً على تحريك المياه الراكدة، وهذه الصفة قد تنطبق على كثيرين، ولكن في طليعتهم الدكتور جعجع والجنرال ميشال عون.
أوّلاً، على مستوى جعجع: إنّ وصوله إلى الرئاسة يعني إخراج لبنان من الستاتيكو وثلّاجة الانتظار، وجعلَ الوضع مفتوحاً على المفاجآت اليومية التي تبدأ في الإدارة ولا تنتهي بالمؤسسات الأمنية وما بينهما المواقف من كلّ ملف وقضية. فجعجع لن يكون رئيس إدارة أزمة، ولا رئيساً يُعيد لبنان إلى الحرب بطبيعة الحال، حيث يشهد له التاريخ أنّ استلامه لـ»القوات» أعاد التهدئة إلى مختلف الجبهات، وانتهز فرصة اتّفاق الطائف لوقف الحرب، والتقطَ انتفاضة الاستقلال لإعادة إحياء الشراكة الوطنية، وبالتالي سيكون الرئيس الذي يدفع الأمور بالتراكم وتسجيل النقاط باتّجاه تغليب خيار الدولة، خصوصاً أنّ ترشيحه هو آخر محاولة لرفض احتواء الدويلة للدولة واستيعابها.
وفي البوانتاج الانتخابي لا شيء مستحيلاً، خصوصاً أنّ ميزان القوى النيابي متقارب، وأنّ أيّ دفعٍ محلّي-إقليمي في هذا الاتجاه أو ذاك قد يؤدّي إلى فوز جعجع بالرئاسة.
ثانياً، على مستوى عون: هناك من يقول إنّ الجنرال ليس من صنف الرؤساء الذين يخرجون كما يدخلون، وبالتالي لا بدّ من أن يحرّك الأمور ويصطدم عاجلاً أم آجلاً بالثنائية الحزبية الشيعية في المواضيع التي تبدأ بالإدارة، والتي كان أكّد في مؤتمره الصحافي عشيّة التمديد العسكري أنّ كلّ الطبقة السياسية شريكة في الفساد، ولا تنتهي بسلاح «حزب الله».
وأصحاب هذه النظرية يعتبرون أنّ التغيير ولو الجزئي في لبنان لم يعُد متاحاً من البوابة السورية ولا من باب المحكمة الدولية ولا حتى الانتخابات النيابية المرشّحة، في حال حصولها، إلى إعادة إنتاج التوازن نفسه، وبالتالي التغيير الوحيد الممكن والمُتاح هو عبر الانتخابات الرئاسية وإيصال رئيس يلعب، بالحد الأدنى، دورَ النائب وليد جنبلاط في «بيضة القبّان»، حيث لا يكون «حزب الله» ممسكاً بقراره أو خاضعاً لنفوذه، ويتمايز بالحدّ الأقصى عن الحزب، على غرار ما حصل في التمديدين النيابي والعسكري، والانفتاح على «المستقبل» والتصويت أخيراً مع تأجيل البحث في السلسلة 15 يوما.
ويقول أصحاب هذه النظرية إنّ أداء الوزير جبران باسيل والإشارات التي يعطيها عون تدلّ إلىى أنّ «التيار الوطني» عاد إلى المكان الذي كان عليه قبل وثيقة التفاهم، ولكن ماذا لو كان كلّ ما تقدّم مجرّد مناورة رئاسية تتيح لعون الوصول إلى رئاسة الجمهورية لتوفير الغطاء الرسمي-المسيحي للمقاومة وإحياء تحالف الأقلّيات بين العلويين في سوريا والموارنة والشيعة في لبنان؟ ومن يتحمّل مجازفةً من هذا النوع؟
ولكلّ ما تقدّم، فإدارة المعركة الرئاسية لا يفترض أن تكون إلّا بيدِ جعجع وحدَه بالتعاون مع قوى 14 آذار، وما قبل جلسة 23 الجاري لن يختلف عمّا بعدها، لأنّ جعجع سيكون مرشّح كلّ الجلسات والدورات، وخلاف ذلك يتحوّل ترشّحه إلى رفع عتبٍ الهدفُ منه إخراجه مع أوّل جلسة انتخابية، فيما المطلوب إمساكه بأوراق التفاوض كلّها بغية بلوغ النتائج المرجوّة.
