#adsense

إدارة المعركة الرئاسية بيد… جعجع (شارل جبور)

حجم الخط
أبرز توصيف، ربّما، لبرنامج الدكتور سمير جعجع الرئاسي أنّ كلامه لا يختلف بين منبر قواتي ومنبر 14 آذاري ومنبر رئاسي، في حين اعتاد اللبنانيون على سماع لهجات وسقوف مختلفة بين منبر وآخر.
الرسالة الأساسية التي وجّهها رئيس «القوات اللبنانية» في إعلان برنامجه أنّ المواقع لا تبدّل في المواقف، وأنّ الهدف من السعي إليها ترجمة تلك المواقف تحقيقاً للمشروع السياسي الذي يحمله والذي على أساسه منحه الناس ثقتهم. فما قبل الترشيح لا يختلف عمّا بعده. فلا تدوير للزوايا، ولا تبديل في الأدبيات ولا تغيير في المصطلحات بحثاً عن كلمات منمّقة وأخرى غير مفهومة تحتمل التأويل لحفظ ماء الوجه وجعلِ كلّ فريق يفسّرها على هواه. ومن هنا السِمة الأساسية لخطاب جعجع هي الوضوح السياسي الذي من دونه لا مجال للخروج من الأزمة اللبنانية التي تتطلّب المصارحة والمكاشفة وتسمية الأمور بأسمائها.وأهمّية برنامج جعجع أيضاً أنّه لم يسعَ إلى استرضاء «حزب الله» أو ممالأة غيره. فالسلاح «بيدِ الدولة وإمرتها فقط»، و»الدولة اللبنانية هي وحدها المسؤولة عن حماية لبنان واللبنانيين والتصدّي للاعتداءات الإسرائيلية على أنواعها». وهذا الكلام لا يعني نزع سلاح الحزب بالقوّة ولا قصف الضاحية من بعبدا، إنّما وضع «حزب الله» أمام مسؤولياته بأنّ هناك مرحلة سياسية جديدة في لبنان لم يعُد بإمكانه التعاطي معها بخِفّة، لأنّ ميزان القوى الداخلي الجديد لم يعُد لمصلحته، ولأنّ الرئيس الجديد لن يوفر وسيلة سياسية لاستعادة ما للدولة للدولة.وقد تكون هذه المرحلة شبيهة إلى حدّ كبير بانتخابات العام 2004 لا 2007، والفارق بين المحطتين أنّ المجتمع الدولي سعى في الأولى إلى تحريك الوضع اللبناني من البوّابة الرئاسية، وهذا ما حصل عملياً بدءاً من القرار 1559 وصولاً إلى اغتيال الشهيد رفيق الحريري، فيما كان هدفه في الثانية إعادة التوازن إلى المشهد السياسي الذي اختلّ لمصلحة القوى السيادية مع انتفاضة الاستقلال وتهدئة اللعبة السياسية.

والمقصود بهذا المعنى أنّه بخلاف الشائع، ليس المطلوب في هذه المرحلة تمديد الأزمة اللبنانية لسِتّ سنوات إضافية، في الوقت الذي كلّ الوضع الممتدّ من القاهرة إلى طهران وصولاً إلى دمشق وبغداد مرشّح للتغيير في غضون سنة أو سنتين، ما يعني أنّ المواصفات المطلوبة للرئيس العتيد أن يكون صاحب مشروع، وقادراً على تحريك المياه الراكدة، وهذه الصفة قد تنطبق على كثيرين، ولكن في طليعتهم الدكتور جعجع والجنرال ميشال عون.

أوّلاً، على مستوى جعجع: إنّ وصوله إلى الرئاسة يعني إخراج لبنان من الستاتيكو وثلّاجة الانتظار، وجعلَ الوضع مفتوحاً على المفاجآت اليومية التي تبدأ في الإدارة ولا تنتهي بالمؤسسات الأمنية وما بينهما المواقف من كلّ ملف وقضية. فجعجع لن يكون رئيس إدارة أزمة، ولا رئيساً يُعيد لبنان إلى الحرب بطبيعة الحال، حيث يشهد له التاريخ أنّ استلامه لـ»القوات» أعاد التهدئة إلى مختلف الجبهات، وانتهز فرصة اتّفاق الطائف لوقف الحرب، والتقطَ انتفاضة الاستقلال لإعادة إحياء الشراكة الوطنية، وبالتالي سيكون الرئيس الذي يدفع الأمور بالتراكم وتسجيل النقاط باتّجاه تغليب خيار الدولة، خصوصاً أنّ ترشيحه هو آخر محاولة لرفض احتواء الدويلة للدولة واستيعابها.

وفي البوانتاج الانتخابي لا شيء مستحيلاً، خصوصاً أنّ ميزان القوى النيابي متقارب، وأنّ أيّ دفعٍ محلّي-إقليمي في هذا الاتجاه أو ذاك قد يؤدّي إلى فوز جعجع بالرئاسة.

ثانياً، على مستوى عون: هناك من يقول إنّ الجنرال ليس من صنف الرؤساء الذين يخرجون كما يدخلون، وبالتالي لا بدّ من أن يحرّك الأمور ويصطدم عاجلاً أم آجلاً بالثنائية الحزبية الشيعية في المواضيع التي تبدأ بالإدارة، والتي كان أكّد في مؤتمره الصحافي عشيّة التمديد العسكري أنّ كلّ الطبقة السياسية شريكة في الفساد، ولا تنتهي بسلاح «حزب الله».

وأصحاب هذه النظرية يعتبرون أنّ التغيير ولو الجزئي في لبنان لم يعُد متاحاً من البوابة السورية ولا من باب المحكمة الدولية ولا حتى الانتخابات النيابية المرشّحة، في حال حصولها، إلى إعادة إنتاج التوازن نفسه، وبالتالي التغيير الوحيد الممكن والمُتاح هو عبر الانتخابات الرئاسية وإيصال رئيس يلعب، بالحد الأدنى، دورَ النائب وليد جنبلاط في «بيضة القبّان»، حيث لا يكون «حزب الله» ممسكاً بقراره أو خاضعاً لنفوذه، ويتمايز بالحدّ الأقصى عن الحزب، على غرار ما حصل في التمديدين النيابي والعسكري، والانفتاح على «المستقبل» والتصويت أخيراً مع تأجيل البحث في السلسلة 15 يوما.

ويقول أصحاب هذه النظرية إنّ أداء الوزير جبران باسيل والإشارات التي يعطيها عون تدلّ إلىى أنّ «التيار الوطني» عاد إلى المكان الذي كان عليه قبل وثيقة التفاهم، ولكن ماذا لو كان كلّ ما تقدّم مجرّد مناورة رئاسية تتيح لعون الوصول إلى رئاسة الجمهورية لتوفير الغطاء الرسمي-المسيحي للمقاومة وإحياء تحالف الأقلّيات بين العلويين في سوريا والموارنة والشيعة في لبنان؟ ومن يتحمّل مجازفةً من هذا النوع؟

ولكلّ ما تقدّم، فإدارة المعركة الرئاسية لا يفترض أن تكون إلّا بيدِ جعجع وحدَه بالتعاون مع قوى 14 آذار، وما قبل جلسة 23 الجاري لن يختلف عمّا بعدها، لأنّ جعجع سيكون مرشّح كلّ الجلسات والدورات، وخلاف ذلك يتحوّل ترشّحه إلى رفع عتبٍ الهدفُ منه إخراجه مع أوّل جلسة انتخابية، فيما المطلوب إمساكه بأوراق التفاوض كلّها بغية بلوغ النتائج المرجوّة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل