#adsense

مناخ التعجيز والإفقار

حجم الخط

 

صعب في الإجمال وفي التفصيل مقاربة الهمّ الاجتماعي والمطلبي للبنانيين بعيداً عن الهمّ السياسي وملحقاته، وإن كان الأمر في ظاهره يشي بالعكس.

الجذر الأول لانعدام الحلول سابقاً وتراكم المعضلة الاجتماعية والمطلبية راهناً، موجود في السياسة والأمن.. وليس في الآلية الطبيعية والمعقدة لعالم الأعمال وحركة السوق. بل إن الأمر (النقابي) في بديهياته التوصيفية مُبهم وغير واضح وربما غير موجود إلا في أدنى أدنى حالاته.

هناك حركة نقابية لكنها لا تستوفي كل شروط صفتها هذه: تركيبة هجينة يختلط فيها القطاع الخاص بالقطاع العام والنقابي بالطائفي والمطلبي بالحزبي.. ثم تنعدم في حالات كثيرة الخصائص الوظيفية الواضحة بحيث يمكن بكل بساطة ملاحظة حشو تمويهي لا مثيل له في أي مكان آخر، كأن يوجد (مثلاً) معلّمون لا يعلّمون ولا يَعلَمون! أو ممرّضون لا يعرفون الفرق بين المستشفى والمعسكر الحزبي. أو اختصاصيون في قطاع خدماتي محدد لا أحد يعرف ماذا يشتغلون وهم لا يعرفون! أو جيش من موظفي القطاع العام لا أحد يراه إلا في المناسبات المحددة أواخر الشهر!

فوق ذلك، تكفلت الاستخدامات السياسية الكيدية في ترسيخ صورة عن الاتحاد العمالي العام باعتباره أداة أكثر من كونه جسماً نقابياً جامعاً، في صلب وظيفته ومبرّر وجوده البحث عن الحقوق ورفع الغبن والمطالبة بشيء من العدالة في مواجهة متطلبات الحياة وأكلافها.. وجميع من عليها يعرف، أن نظام الوصاية الأمني البائد جعل من ذلك الاتحاد إحدى أدواته المرادفة لأدواته السياسية والأمنية والإعلامية. وصارت مثلما يتذكر معظم اللبنانيين، تحركات الشارع خاضعة لأمر سياسي أمني مُحدد وليس لأمر مطلبي مُلحّ. وأول وأكثر من أستُهدف بذلك كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري على تعاقب حكوماته.

قد تبدو الصورة اليوم مختلفة لكن لا يمكن فصلها عن الفيلم نفسه: هناك من يأخذ الحركة المطلبية الى مداره السياسي لأنه بالضبط يعرف أكثر من سواه، أن جزءاً رئيساً وكبيراً من أسباب الأزمة المعيشية الاجتماعية العميقة في لبنان يكمن عنده وفي حسابه. ولإبعادها عنه يحيلها دائماً على الخزينة العامة لدولة شبه مفلسة، أو يحاول كما يفعل راهناً، إحالة بعض أكلافها على قطاعات خاصة أثبتت نجاحها في زمن الفشل العميم.

الكيد السياسي (المجرم) أنتج مثلاً أزمة كهرباء دائمة ومعيبة كلفتها حتى الآن توازي ثلث الدين العام وأكثر.. و«عالم المقاومة» الحسّاس والفضفاض أنتج «خطوطاً عسكرية» في المرافئ البحرية والبرية والجوية حرمت الخزينة مئات الملايين من الدولارات كعائدات ضريبية سنوياً.. وكثيرون من أهل الاختصاص يعرفون الكثير عن أبواب وقطاعات أخرى يُهدر فيها المال العام مدراراً أو يُسرق بكل وضوح وبساطة!

ذلك شيء من التفصيل، لكن في العموم يمكن الافتراض ببراءة وضمير مرتاح، أن الأثقال التي ركّبها مناخ الممانعة والمقاومة على أكتاف لبنان واللبنانيين كافية في ذاتها، ومن دون إضافات من خارج النص، لإبقاء العجز سمة ملازمة للاقتصاد الوطني بكل مفاصله العامة والخاصة.. والاستمرار بالتالي في توليد الأزمات على أنواعها.

تعجيز لبنان وإفقار أهله مسار ممانع أصيل.. والباقي تفاصيل متسلسلة، سلسلة وراء سلسلة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل