#adsense

“الكسليك” عمقُ الموارنة… لن “نُجنّز”

حجم الخط

 كتب ألان سركيس في “الجمهورية”:

توجّهت الأنظار إلى جامعة الروح القدس – الكسليك، لمتابعة رتبة دفن السيّد المسيح، وقد حملَ هذا القدّاس معانيَ دينية ووطنية للموارنة، حيث يودّعون الرئيس الثاني عشر للجمهوريّة بعد الإستقلال، آملين أن يحضر قدّاس السنة المقبلة رئيس جديد للجمهورية على رأس الدولة اللبنانية التي وُجدت لكي يكون للموارنة والمسيحيّين كيانٌ مستقلّ حرّ في هذا الشرق.

لا يخاف الموارنة في جونية، عمقهم الإستراتيجي، الإنحدار الديموغرافي، على الرغم من بعض التهديدات الجغرافية، في وقت يواجه مسيحيّو الشرق صراعاً وجوديّاً. حيث ستنقل وسائل الإعلام العالمية ووكالات الأخبار الدولية احتفالات الجمعة العظيمة وعيد الفصح، وستُردّد ككُلّ سنة، أنّ مسيحيّي العراق احتفلوا بحزن وسط المخاوف من التفجيرات، وأنّ مسيحيّي فلسطين أحيوا العيد مع تناقص أعدادهم والهجرة المستمرّة التي تضربهم، فيما أطلّ العيد حزيناً على مسيحيّي سوريا مع استمرار خطف المطرانين بولس اليازجي ويوحنّا ابراهيم وما يعانونه من تهجير قسري. لكنّ المادّة الإعلامية الجديدة التي ستضاف إلى الأخبار العالمية، ستكون احتفال مسيحيّي لبنان في العيد مع تزايد المخاوف من فراغ رئاسي.

حاولَ الموارنة في جامعة الكسليك، إحياء التقليد السنوي، والإحتفال بالجمعة العظيمة مع ما تعني هذه الذكرى من رمزية للمسيحيين، وقد جمعت هذه المناسبة أقطابَ الدولة من مختلف الطوائف، أبرزُهم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وقائد الجيش العماد جان قهوجي، ووزراء ونوّاب حاليّون وسابقون، وعددٌ من السفراء المعتمدين في لبنان وأعضاء السلك الديبلوماسي والقنصلي، إضافةً إلى ركائز المجتمع الماروني وبنيتِه المؤسساتيّة والدينية والسياسية، وأجيال الرهبان الذين شكّلوا الرافعة التي سنَدت المجتمع المسيحي أيام الحرب الأهلية وأوصلت الرئيس الشهيد بشير الجميّل إلى السلطة، والذي شكّل اغتياله اغتيالاً لمشروع الرهبانية المارونية في تلك الفترة.

في هذه الجامعة، وتحديداً في قاعة الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني، حيث تقام رتبة الدفن، لا مكانَ لليأس والحزن، فالبابا يوحنا بولس الثاني زار لبنان في زمن الإحباط المسيحي والخيبة، وأعطى أملاً للشباب المسيحي بوطنِهم، وحاولَ الرهبان في الأمس، طمأنة الموارنة والمسيحيين ببقاء وطنهم للأجيال المقبلة، لأنّ لبنان يواجه الصعوبات ويُصلب مرّات عدّة، لكنّه يقوم من بين الآلام ويستمرّ.

في القاعة نصف الدائرية التي تشبه المدرّج، رُفع قدّاس دفن المسيح. هنا ترى أجيال الرهبان، فمنهم الشباب الذين يضعون اللمسات الأخيرة على ترتيبات الجنّاز، حركة لا تهدأ، يتغلغلون بين المؤمنين كما كانوا دائماً. وتجد أيضاً الجيل الأكبر الذي يشرف على الرهبان الشباب ويتولّى حاليّاً قيادة الرهبانية اللبنانية المارونية، إضافةً الى الجيل الذي لعب دوراً تاريخياً في أصعب المراحل من تاريخ لبنان، حيث يدخل الرئيس العام السابق للرهبانية الأباتي بولس نعمان، ويشقّ طريقه بين الحضور ويصعد إلى المذبح، ويجلس على الكرسيّ المخصّص للرهبان، في إشارة رمزيّة إلى أنّ الرهبانية تستمدّ روحها ومستقبلها من نضالاتها التاريخيّة، ويجلس أمامه السفير البابوي غابريال كاتشيا. ففي كلّ قدّاس جمعة عظيمة في الكسليك يحضر السفير البابوي، لأنّ العلاقة المباشرة التي تربط الرهبانية المارونية بالفاتيكان هي علاقة عضوية رعويّة، وقد شبَّهها أحد الحاضرين بزمنِ «الانتداب الإيجابي» مع استقلاليةٍ تتلاقى والتركيبة اللبنانية، بعدما حصر الفاتيكان عام 1986 مع نهاية ولاية الأباتي نعمان، دورَ الرهبانية وانفلاشها، وسلّم دفّة قيادة المركب الماروني إلى البطريركيّة المارونيّة حصراً.

مراسم الدفن تتوالى، على وقع تراتيل الآلام، وقراءة عدد من الكهنة فصولاً من النبوءات، وتشديد الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة، على «أننا كلّما نظرنا إلى لبنان ومشرقِنا وعالمنا، نفهم أن لا مجال للإستمرار في الحرب والإحباط»، مؤكّداً «عدم الخوف على لبنان لأنه موطن الإيمان والقدّيسين»، داعياً إلى أن «نؤمن به ونكون إيجابيين في التعاطي مع شؤونه، مبتعدين كلّ البعد عن التباكي والتشكّي، عاملين بجهدٍ من أجل بنيانه وإعلاء شأن الحياة فيه».

وشكرَ نعمة لسليمان، «كلّ خير صنَعه ويصنعه للبنان»، قائلاً: «أنتم الذين خدمتم الوطن في مؤسّسة التضحية والوفاء والشرف وتحمّلتم بعدها هذه المسؤولية العظيمة، عاملين بكلّ جهد لتكمل سفينة الوطن رحلتها فتصل إلى شاطئ الأمان، كافأكم الربّ بنعمِه على كلّ خير أدّيتموه وتقدّمونه إلى وطننا».

قد يكون زمن الآلام والقيامة هو زمن التوبة والغفران، لكنّ الموارنة الذين يجتمعون تحت سقف الكنيسة الواحدة في القداديس، يتفرّقون عندما يحين موعد النزاع على السلطة، والتجارب التاريخية علّمت أنّ الرهبانية المارونية وبكركي والفاتيكان غير قادرين على جمعهم إذا لم يكن هناك إرادة تَصاُلحٍ نابعة من داخلهم، والموعد في 23 نيسان هو اختبار أوّليّ، أمّا 25 أيار فاستحقاقٌ نهائي.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل