إذا كانت الحكومة السلامية، بعد أشهر مضنية من الأخذ والرد والمراوحة والقلق الشديد، قد رأت النور بعد مخاض عسير، فبعثت أملاً ولو ضعيفاً في الوصول بلبنان واللبنانيين إلى بر السلامة والحد الأدنى من الاستقرار، فإن أي قراءة موضوعية لمجمل الوضع اللبناني السائد الآن لا تبعث على الكثير من التفاؤل ولا على انفراج كبير ما زال بعيد المنال.
ذلك لأن العناصر الكبرى الأساسية للأزمة اللبنانية، ما زالت على حالها عصية على الحل. فالأزمة هي حقاً سياسية كما نلامسها ونعيشها بل اعتدنا التعايش معها، إلا أن ما هو سياسي هو في حقيقته تكويني بنيوي قائم في التركيبة التاريخية للكيان اللبناني.
فأن يتكوّن وطن ما من مجموعة أقليات دينية ومذهبية ليست مسألة سهلة. فقد احتضن لبنان في جذور كيانه هذه الأقليات بثقافاتها وتقاليدها ومعتقداتها الدينية وطقوسها المتنوعة الفريدة في منطقة عربية لم تعرف الاستقرار النهائي في تاريخها الحديث.
ففي كل مرحلة مفصلية وحيال كل منعطف تاريخي وأمام كل حدث طاغٍ، كان الوطن الصغير يهتزّ ويموج تحت تداعيات التطورات. وظل لبنان على الدوام عبر تاريخ كيانه متعباً منهمكاً منقسماً ككيان مأزوم يتجاوز أزمة ليتمخض ويستقبل أزمة جديدة أكثر مصيرية من السابقة. هذا ما جرى عام 1958 وعام 1975 وكذلك أيضاً عام 1983 وما زلنا نتخبط في المزيد منها.
إن الديموقراطية اللبنانية لم تكن نتيجة تطور موضوعي ونضج طبيعي وصل إليه الشعب اللبناني بإرادته الذاتية عبر تاريخه الحديث بل كانت صيغة فريدة اجترحها الانتداب، فقد كانت وما زالت قائمة على التوازنات الطائفية والمذهبية. وتدخل هذه التوازنات في صلب قانون الانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسات الثلاث وقائد الجيش. وليس عندنا قانون ثابت للانتخابات النيابية، كما أن البرلمان هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية وليس الشعب مباشرة كما في سائر الديموقراطيات.
وفي حمأة الأزمات التي تضرب لبنان، وهي سياسية أمنية ومعيشية اقتصادية يجد اللبنانيون أنفسهم عشية انتخاب رئيس جديد للبلاد الشهر المقبل (أيار) هو موعد لهذا الاستحقاق الدستوري. إلا أن الرأي العام عندنا لا يتابع باهتمام كبير هذا الانتخاب ذلك أنه اعتاد تاريخياً، إلا ما ندر، على أن الذين يقررون من هو الرئيس العتيد هم خارج البرلمان بل خارج البلاد. فدمشق، خصوصاً بعد اتفاق الطائف (1990)، ظلت طرفاً رئيسياً مقرراً لمن سيصبح سيد قصر بعبدا الرئاسي. وكذلك أميركا وفرنسا، وهذه الأخيرة ما زالت معنية بالوضع اللبناني رغماً عن اجتياح واشنطن للعراق (2003) وتفرّد أميركا بمتابعة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المراوحة مكانها.
كما أن للرياض رأياً وازناً في هذا الشأن بعد انحسار التأثير المصري وانهماك مصر بترتيب شؤونها الداخلية. ولما كانت طهران تشكل الرئة الضرورية لنظام دمشق، بالمال والسلاح والخبراء والمقاتلين وهي مندفعة لأبعد الحدود في مشاريعها النووية والسيطرة على المنطقة العربية، فإن الخبراء والمراقبين يشيرون إلى غلبة رأيها أي إيران على رأي النظام الأسدي، خصوصاً أن حزب الله، وهو مكوّن لبناني أساسي مدجج بالسلاح، وما زال ممسكاً بمفاصل رئيسية من مفاصل الإدارة والأمن والاقتصاد اللبناني، وهو غارق تماماً في الحرب السورية الدموية العبثية يعود مباشرة لطهران في اتخاذ قراراته الكبرى وذلك قبل دمشق بكثير، ذلك أن قرارات بشار اصبحت عملياً هناك.
فماذا يريد والحالة هذه حزب الله من الرئيس الجديد؟ بكل بساطة إنه يسعى لإيصال رئيس يدير الأزمة الراهنة على الصعيد الأمني، أي أن يقبل صاغراً بازدواجية الأمن والسلاح، أي إعادة إنتاج هذا الثالوث الملتبس المعبّر عن عجز السلطة المركزية بنشر سيادتها على التراب اللبناني كافة، مقولة «شعب وجيش ومقاومة» السيئة الذكر، فلا يعترضنّ الرئيس الجديد كما فعل سلفه الرئيس سليمان على الحال المريعة التي وصلت إليها البلاد، ويقطع نهائياً مع إعلان بعبدا بتحييد لبنان عن الصراعات الدائرة في المنطقة العربية، وبالأخص تورّط الحزب في القتال الدائر في سوريا الآخذ اتساعاً والعابق برائحة الاقتتال المذهبي.
بالطبع إن لبكركي رأيها في هذا الشأن الجلل وكذلك الفاتيكان، إلا أن هذين المرجعين قد أدركا منذ فترة زمنية ليست بعيدة قط، أن ثمة قراءة أميركية معينة لمستقبل المنطقة وقد تحتل فيها طهران موقعاً بارزاً.
في تصور عبثي مستحيل قد تخطاه الزمن وواقع الحال المرير غير المنفصل إطلاقاً عن الحرب السورية المستمرة بعد سقوط جنيف2 يتصور بعض اللبنانيين في أحلام اليقظة رئيساً مقبلاً للبلاد فيه شيء من روح بشارة الخوري المؤمن بالشراكة المسيحية الإسلامية ومعاندته ورياض الصلح للانتداب حتى ولو سيقا إلى السجن تحقيقاً للاستقلال.
بل هل يتمتع الرئيس العتيد بذكاء كميل شمعون وقدرته على المناورة، وكذلك بروح فؤاد شهاب الإصلاحية وشغفه ببناء المؤسسات وزهده في الحكم ونظافة كفّه حيال المال العام.
لعل الرئيس المقبل يستلهم شاعرية شارل حلو وكلمة الصحافي البارع، بل لعله يقتبس شيئاً من عناد سليمان فرنجية الأول وإصراره على عدم ترك المسيحيين لبلادهم نحو المهجر، وأن يحاكي تشبث الياس سركيس بالمؤسسات رغماً عن الوصاية السورية، أو يستلهم تعفف بشير الجميل وصحوته المفاجئة لأهمية علاقات لبنان بالعمق العربي، وأن يتذكر جيداً عناد الرئيس أمين الجميل الذي عقد مع الأسد الأب 13 قمة من دون طائل فقد طغت عليه الأحداث.
ألم يكن رينيه معوض بطموحاته الوطنية وإرساء الوفاق الوطني وفتح المعابر نموذجاً يحتذى لو ظل على قيد الحياة. ويذهب بعضناً لإسباغ روح الدعابة و»الهمشرية» والتواضع على الياس الهراوي الذي كان سبّاقاً في إدراك وسبر أعماق الرئيس الشهيد رفيق الحريري العامل ليل نهار على إعادة بناء لبنان واستخلاص سيادته.
لقد كان وما زال ميشال سليمان علامة فارقة تجسدت فيه روح المسؤولية الوطنية والكرامة، ووعي متقدم للمخاطر التي تتهدد لبنان من كل جانب، بل زهد لا مثل له: «حيال كرسي الحكم ومنافع السلطة، فابى التمديد على غرار من سبقوه. فمن أين نأتي الآن برئيس يحمل كل هذه الإيجابيات التي نستوحيها من هؤلاء الرؤساء؟
لقد أحسن صنعاً الدكتور سمير جعجع بتحريك مستنقع المياه الراكدة الآسنة للاستسلام اللبناني السائد لحالة الخواء المريع ونحن عشية انتخاب الرئيس. وقد تكون حظوظه في النجاح ليست متوفرة تماماً ضمن موازين القوى الداخلية القائمة الآن، ولا في مراكز صنع القرار الرئاسي، لكنه أحدث صدمة إيجابية ترانا بأمس الحاجة إليها اليوم.