21 نيسان 1994، تاريخ سيبقى محفوراً في ذاكرتنا مهما حيينا، ليس لأنه كان يوماً مفصلياً وممهداً للسيطرة الكاملة على كل الوطن، فبالنسبة لنا ذاك اليوم وتلك اللحظة بالذات، كانت تجسيداً لكل الحزن والقهر والهزيمة، نتيجة رؤية مَن هو الرمز والمثال في التضحية والوفاء والالتزام والتفاني… يساق مكبلاً كشاة الى مسلخ سراديب معتقلات العدو والمحتل، بعد نضال لسنين طويلة.
بالرغم من هدوء الحكيم وبرودة أعصابهو “أي وبعدين؟” التي كان يسألها لمن كان يحثه على الهرب من الآتي المظلم، كنا مع مرور ذاك اليوم، نحس بضيق الخناق وأن الوقت أصبح قريباً،وكانت غدراس محاصرة من جميع الجهات بمئات العناصر وعشرات الدبابات.
مع بدء حلول الظلام، وصل جيب عسكري الى المدخل الرئيسي وأكمل طريقه بعد السماح له بالدخول، ليصل الى أمام بيت الحكيم وترجل منه العميد جان سلوم قائد فوج المكافحة آنذاك. عندها أحسسنا أن هذه بداية النهاية.
صعد سلوم الى مكتب الحكيم ليبلغه أن مذكرة توقيف صدرت في حقه وستنفذ بالقوة إن لم يذهب برفقته.أمر الحكيم الجميع بوضع كل الأسلحة في مكتبه منعاً لأي ردّة فعل غرائزية من أحد الموجودين.
وبعد توضيب حقيبته وخروجه من البوابة الكبيرة وقوله “بشوف وجكن بخير” ثم أمر بإغلاق تلك البوابة وراءه، بدأت موجة هستيريا من البكاء والصريخ والنحيب، وصعدت الى شرفة خارج المكتب تطل على الباحة الخارجية لأطمئن أنه استقل سيارتهم وأصبح في عُهدتهم، مما سبب شعوراً ولو ضئيلاً بالإطمئنان بأنه أصبح بأمان على الأقل جسدياً، لأننا كنا نعلم أن الهدف من كل الحشد العسكري، وهذا ما كان يتخوف منه الجميع، هو افتعال أي مشكل لتدمير المبنى على مَن فيه.
تم جمع الموجودين بإستثناء زوجة الحكيم وعدة أشخاص بقيوا معها، ووضعونا جميعاً في شاحنات عسكرية الى أدونيس، ومنهم مَن أطلق سراحه هناك، أما بقيتنا، فذهبنا الى وزارة الدفاع.
لن نتطرق الى الأساليب الهمجية البربرية التي كنا نُستقل بها، ولا الى التحقيقات المُوجهة والتي يريدون من خلالها إلباسك اتهامات محددة، ولا الى كمية الحقد والكره التي كانت تعبق بها تلك الدهاليز، ولا الى اللهجات الغريبة لبعض المحققين، ولا الى الشتم والتحقير والكلام البذيء، ولا الى التعذيب والصراخ الذي ما زال يطنّ في الآذان، ولا ولا ولا… كل ما يهمنا أن يعرف الجميع، أننا في كل مرّة من المرات الكثيرة التي اقتادونا فيها الى معتقل وزارة الدفاع، كنا نخرج من هناك أكثر التزاماً، وأكثر اندفاعاً، وأكثر شجاعة من قبل، والأهم، أكثر عزماً على مقاومتهم ومجابهتهم حتى النهاية ومهما كان الثمن، من دون أن نفقد الأمل يوماً واحداً بأن الحكيم سيخرج من السجن، وهذا ما حصل بالفعل.
اليوم خرج الحكيم الى الحرية المُستحقة المدفوع ثمنها غالياً، وهو مرشح لرئاسة الجمهورية، وهذا صراحة بالنسبة لنا آخر همنا. ما يهمنا فعلاً أن يحفظ الله هذا القائد الذي أمضى 11 سنة في مكان لم يستطع تحمله مسؤولون آخرون لأيام قليلة، وذلك لأنه رجل مقاوم من الطراز الرفيع، صاحب قضية ومبدأ لا يزيح عنه ولو في وجه أعتى الطغاة والمحتلين، رجل يملك من الشرف والكرامة والنزاهة والشجاعة والإنسانية ما يكفي ليكون سليل قادتنا العظام منذ القائد يوحنا مارون حتى اليوم.