حين اعتقل جعجع والوطن

ذكرى الاعتقال. كيف بذات الوقت وبعزّ نيسان، يفور الزهر في الارض، ويدخل عمر من الارض الى عتم المواسم؟! هكذا ظنوا يوم اعتقلوا سمير جعجع ذاك الـ 21 نيسان 1994. كتبت مرّة ما فعلناه ذاك اليوم، كنا في الاشرفية ووصل الخبر، بدأ الطنين بين الناس، هكذا شعرت يومذاك. وشوشات همسات تشبه الطنين الغميق، “جعجع ع الحبس كبّلوه متل المجرمين وأخدوا متل التوتو خَرْجوا” قالت سيدة بعدما استوقفها الخبر في السوبرماركت، نظرت اليها صبية بعيون متفجرة، كاد المكان يتحول الى ساحة معركة، وقف الناس بذهول يسمعون الخبر من “LBC” أيام النضال والشرف، تقدّم شاب من صاحب المتجر قال له بصوت غاضب “بلّش الاحتلال الحقيقي روحوا انبسطوا من هلأ ورايح، مش الحكيم لـ”انحبس نحنا انحبسنا” وخرج تاركا كل ما كان اشتراه. لم يفهم صاحب المتجر الكلام، هزّ برأسه التفت الي “شو عم بيقول دخلك” لا شيء مهم اجبته، “نشالله رح كتير ننبسط بالايام لـ جايي”… وهرعت الى البيت أختبىء من الدنيا بعدما عرفت أن يوم الاعتقال، بدأت الحكاية الفعلية الكبيرة للنضال المسيحي ضد الاحتلال السوري، وبالتالي بدأت حكاية الوطن.

لم نكن ناضجين كفاية لا في السياسة ولا في الحياة عموما، يومذاك كبرنا جميعا. ما عدنا مراهقين ولا حتى أطفالا، صرنا رجالا نحمل همّ وطن. هذا ما زرعه فينا ذاك الرجل، رجولة المواقف. كان الغضب بحجم ثورة والثورة بحجم وطن بحاله. لحقنا الاعتقال من زاروب الى زاروب، الاضطهاد من قلب الى آخر، الكل كان مشروع أسير أو شهيد على يد جميل السيد وأعوانه. كنا نراهم على التلفزيون يصرّحون وهم يكادون يقفزون الينا، الى قلب وساداتنا، من فرط فرحهم، من عمق عمالتهم، وكيف لا يجن فيهم الفرح وقد اعتقل من حوّل “الشرقية” الى سويسرا الشرق، ليس بالازدها والنمو، بل بثورة كرامة لم يشهدها بلد في العالم. ثورة كادت لوهلة تطرد 40 الف جندي سوري من أرضنا قبل أن يأتي…ذاك المخلّص تعرفون ويصير عددهم 60 الفا رابضون على رموشنا في بيوتنا فوق كرامتنا على كل مساحة الاخضر واليابس في أرضنا.

بعد نحو الشهر من الاعتقال، الاعتقالات، وكانت بدأت أخبار تعذيب الشباب تتناهى بعنف من سجون النظام الامني اللبناني السوري الحاكم، كنا أصبحنا في غير مزاج، كان الشباب، شباب القوات اللبنانية، بدأوا نضالا من نوع آخر، صاروا مقاتلين من نوع آخر من دون بنادق ولا مدافع كما اعتادوا ايام كانت مدافعهم تدكّ مرابض جيش النظام الجرار، صاروا مقاتلين لاجل العدالة، لاجل تحرير معتقل سياسي جعل من سجنه معقلا للحرية وصومعة نضال.

أذكر ان وكلما كانت تضيق بي الايام في الخارج، حيث كنا ألاسرى الحقيقيين، وكلما شعرت اني عاجزة عن الاستمرار بأي شيء، بأي مواجهة بأي نشاط، وخصوصا في ضيعتي الصغيرة حيث كانت أيادي الاحتلال وصلتها كما وصلت الى قرى لبنان كافة، وعندما كان يستبد بي اليأس من الاستمرار، فأفكّر أن سمير جعجع في السجن وأنا أتذمر هذه خيانة غير موصوفة لنضال الرجل، أي شيء بعد أكبرمن هذا الاعتقال؟ فأهدأ وأكمل مسيرتي في المواجهة، وأعود الى صلابة المقاوِمة التي لا تعرف الاستسلام الا لارادة ربّها… هذا ما تعلمته من سمير جعجع، الكبرياء والعنفوان والايمان الايمان الايمان المطلق بيسوع…

الاسير الان صار مرشحا للجمهورية. الجمهورية التي اعتقلته قد يكون رئيسها وقد لا يكون، المهم ان ذاك الاعتقال تحديدا، خرّج أجيالا من الرجال، هؤلاء يشاركون الان في صنع وطن فيه الكثير من الاحلام ، لكنه يا عالم وطن يليق بالاخضر، الا يستحق لبنان وطن لا يشبه الحلم انما هو الحلم بعينه؟..

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل