#adsense

نهاية عهد عنجر

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة”: في 26 نيسان 2005 خرجت القوات السورية من لبنان. كان من المفترض أن يكون هذا التاريخ نهاية عهد الوصاية السورية على لبنان أو نهاية عهد عنجر، لكن هذا العهد لم ينته في ذلك اليوم وحاول أن يستمر بالواسطة من خلال وصاية ثانية مقنعة فرضت نفسها على الواقع اللبناني من خلال “حزب الله”. اليوم مع اقتراب موعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية من المفترض أن تكتب نهاية ذلك العهد. فهل ستكون النهاية نهائية هذه المرة مع العنوان الكبير الذي يرفعه ترشح الدكتور سمير جعجع للرئاسة تحت عنوان الجمهورية القوية؟

بداية هذه الجمهورية تعني حتما نهاية عهد عنجر.

 لم يبدأ عهد عنجر في العام 1982 مع العقيد غازي كنعان، ولم ينته معه في العام 2001 عندما تم استبعاده إلى سوريا واستبداله بنائبه رستم غزالة. عهد عنجر بما يعنيه من الحكم السوري للبنان بدأ في العام 1958 مع عبد الحميد السراج رئيس الشعبة الثانية في سوريا قبل نظام “البعث”، واستمر بعده ولكن مع وجود حالات مد وجزر.

قبل عبد الحميد السراج كان لبنان محصّنا برئاسة جمهورية قوية وبأجهزة امنية سيادية وكان يتدخل أحيانا في سوريا. حصل ذلك في التحضير لأكثر من محاولة انقلاب كان “الحزب السوري القومي الإجتماعي” المحرك الأساسي فيها بالتنسيق مع الحكم الملكي في العراق أو الحكم الملكي في السعودية وخصوصا مع وصول العقيد أديب الشيشكلي إلى السلطة في العام 1952 وفي الإنقلاب عليه في العام 1954 ولجوئه إلى السفارة السعودية في بيروت. عندما عبر الشيشكلي الحدود اللبنانية عبر بوابة المصنع إلى بيروت كان عليه أن يطلب الإذن بالدخول. اتصل بقائد الجيش العماد فؤاد شهاب وبعد موافقة رئيس الجمهورية الرئيس كميل شمعون سمح له بالعبور لاجئا لأيام قبل ترحيله إلى المملكة العربية السعودية.

بعد محاولة الإنقلاب في العام 1956 التي تم كشفها بالصدفة وكان يقودها “الحزب السوري القومي الإجتماعي” بقيادة جورج عبد المسيح  بدأ عهد تصفية الحزب وضباطه في سوريا وكانت هذه العملية بدأت منذ عملية اغتيال العقيد عدنان المالكي. بعد هذا التاريخ سيبدأ عهد عبد الحميد السراج الذي حرك ثورة 1958 وغذاها بالسلاح والمال من أجل أن يجعل لبنان ملحقا بدولة الوحدة بين مصر وسوريا بقيادة جمال عبد الناصر.

في أيلول 1961 انتهت دولة الوحدة بانقلاب عليها في سوريا اتهم عبد الناصر السعودية بالوقوف وراءه. بعد ثلاثة أشهر سيقود “الحزب السوري القومي الإجتماعي” برئاسة عبدالله سعاده انقلابا على عهد فؤاد شهاب الذي اعتبر أنه مكمل في جزء منه لدولة الوحدة، ولكن الإنقلاب فشل وبقيت سوريا تترصّد السيادة اللبنانية في محطات كثيرة لتتصرف وكأن لبنان يشكل مداها الحيوي ويحق لها التدخل فيه عندما تشاء.

في العام 1973 مع حرب أيار ضد المسلحين الفلسطينين تدخل وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام لمنع الجيش اللبناني من الحسم، ومنذ العام 1975 مع بداية الحرب في لبنان تصرّف عبد الحليم خدام في ظل نظام الرئيس حافظ الأسد وكأنه الوصي على السلطة اللبنانية. منذ ذلك التاريخ ترسّخ عهد عنجر وكانت رئاسة الجمهورية هي الهدف الأول لهذا العهد وكان الرئيس سليمان فرنجية هو المستهدف الأول. بعدها تعاملت سوريا مع الرئاسة وكأنها تفصيل يجب أن يدور في فلكها يلبي طلباتها ويحكم صوَريًا، بينما هي من تقرر من يكون رئيس الجمهورية ومتى تكون حكومة ومتى تسقط حكومة.

في العام 1982 انتقل حكم الوصاية مباشرة إلى عنجر. كان غازي كنعان مسؤولا عن المخابرات السورية في حمص. كان موثوقا من الأسد ومتوليا ملف التعاطي مع العشائر والأحزب اللبنانية في البقاع، وأسندت إليه مهمة التحضير للعودة السورية إلى لبنان بعد الإنسحاب من بيروت على أثر الإجتياح الإسرائيلي. اتخذ غازي كنعان مقرا له في عنجر وصار للوصاية السورية مقر لها في لبنان في محاولة لجعله بديلا عن مقر رئاسة الجمهورية في بعبدا.

هندس غازي كنعان عملية القضم التدريجي للسيادة اللبنانية. من الحرب ضد ياسر عرفات في طرابلس، إلى الحرب ضد “المرابطون” في بيروت، إلى تصفية “حركة التوحيد الإسلامي” في عاصمة الشمال، إلى حروب الشوارع في بيروت الغربية، إلى حرب المخيمات إلى حرب “أمل” و”حزب الله”، وفي إدارة كل هذه المعارك المتنقلة كانت هناك معركة ثابتة ضد المناطق الشرقية و”القوات اللبنانية” وضد رئاسة الجمهورية في قصر بعبدا.

في العام 1990 سيطرت القوات السورية مباشرة على القصر الجمهوري وعلى الجمهورية. سقطت الجمهورية عندما سقط القصر. بقي غازي كنعان في عنجر ولكن صار له مقر ثابت في بيروت. اعتبارا من ذلك التاريخ سيهبط اسم رستم غزالة على العاصمة اللبنانية مسؤولا عن المخابرات السورية في الرملة البيضا والبوريفاج.

عهد الرئيس الياس الهرواي كان تعبيرا عن عهد عنجر المباشر الذي لم يكتف بالسيطرة على رئاسة الجمهورية بل ذهب إلى السيطرة على سائر المؤسسات، من مجلس النواب بعد انتخابات العام 1992 إلى الأجهزة الأمنية والجيش والأحزاب، وصولا إلى تأكيد وحدانية “حزب الله” كتنظيم مسلح ومحاولة القضاء على كل المعارضين لهذه السياسة. ومن ضمن هذا الإطار كانت الحرب على “القوات اللبنانية” وصولا إلى قرار حلها واعتقال الدكتور سمير جعجع.

عهد عنجر تمدّد إلى كل مفاصل الدولة اللبنانية. بعد التمديد للرئيس الياس الهراوي كان انتخاب العماد أميل لحود ثم التمديد له. ولكن منذ العام 2000 بدأت الصورة تتغيّر بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وترئيس نجله بشار محله، وبعد الإنسحاب الإسرائيلي من لبنان، وبعد نداء مجلس المطارنة الموارنة الذي طالب بالسيادة اللبنانية وبسحب الجيش السوري من لبنان، وبعد تأسيس لقاء قرنة شهوان، وبعد التحوّل في مواقف رئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” النائب وليد جنبلاط وبداية التحوّل في مواقف الرئيس رفيق الحريري، وبعد زيارة البطريرك صفير إلى الجبل.

في هذه المرحلة حصل تطوّر مهم في قيادة عهد عنجر. أصبح رستم غزالة نائبا لغازي كنعان في عنجر وتولى مكانه مسؤولية المخابرات السورية في بيروت العميد جامع جامع. يبدو أن مهمة غزالة كانت مراقبة كنعان بعدما لمس النظام الجديد في سوريا أن كنعان يقترب من محور بدأ يتشكل ويضم عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي رئيس الأركان السابق في الجيش السوري والرئيس رفيق الحريري.  بدأ غزالة يرسل التقارير إلى سوريا عن غازي كنعان وكان يركز على مسألة رئيسية وهي أن كنعان ينسق مع الرئيس سعد الحريري. كيف؟ كان رستم غزالة ينظم أو يتلقى تقارير عن الحريري وكان كنعان يهملها بينما كان غزالة يبلغ عنها قيادته في دمشق وبالتالي كانت تصل عبره وليس عبر كنعان. ضمن هذا الجو اتخذ بشار الأسد القرار في تعيين غزالة مكان كنعان وبنقل كنعان إلى دمشق ثم تعيينه رئيسا للأمن السياسي ثم وزيرا للداخلية في العام 2002.

كان هذا التغيير أساسيا في سلطات عهد عنجر. وكان المطلوب أن تكون نهاية عهد لحود نهاية هذا العهد السوري في لبنان. خاضت سوريا المعركة ضد المجتمع الدولي وضد القرار 1559. اعتقد بشار الأسد أنه يستطيع أن يواجه العالم وأن يحول دون سحب الجيش السوري من لبنان ودون نزع سلاح “حزب الله”. كان واضحا التكامل بين هذا الجيش وهذا السلاح.

لحظة المواجهة بين نهاية عهد عنجر وبداية عهد لبنان كانت في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. نزل السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” إلى ساحة رياض الصلح في 8 آذار 2005 ليعلن التمسك بعهد عنجر. كان الأسد اتخذ قرار الإنسحاب من لبنان وكان الخيار أن يكون “حزب الله” هو البديل. لذلك لم ينته عهد عنجر في 26 نيسان 2005. صحيح أن رستم غزالة غادر عنجر ذلك النهار ولكن سلطة الوصاية لم تنته. استمر عهد إميل لحود. تم منع انتخاب رئيس جديد للجمهورية. حصلت حرب تموز 2006. حصلت عملية 7 أيار الإنقلابية لتثبيت عهد عنجر بقوة “حزب الله”. منع الرئيس ميشال سليمان من الحكم في بداية عهده بعد انتخابه تطبيقا لتسوية الدوحة التي أتت بحكومة وحدة وطنية. أسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري وحاولت بقايا عهد عنجر تولي السلطة المباشرة مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. ولكن مسار التاريخ كان ذاهبا في اتجاه إنهاء هذا العهد وعودة عهد الجمهورية اللبنانية القوية عبر رئاسة الجمهورية القوية. ترنح النظام السوري وتولى “حزب الله” الدفاع عنه في سوريا. سقطت حكومة “حزب الله” في لبنان. تم منع الرئيس تمام سلام من تشكيل حكومة جديدة طوال أحد عشر شهرا. استعاد الرئيس ميشال سليمان صورة الرئاسة المسؤولة والقوية.

اليوم مع استحقاق رئاسة الجمهورية تستمر حركة التاريخ في الإتجاه الصحيح. يمكن أن يتم تأخير الحركة ولكن لا يمكن وقفها. ثمة حاجة اليوم لإعلان انتهاء عهد عنجر وبداية عهد لبنان والجمهورية القوية. في مسار هذه الحركة يأتي ترشيح الدكتور سمير جعجع. هذا هو عنوان المواجهة. تحت هذا السقف لا ولادة جديدة للبنان والخيار اليوم هو بين عهدين: عهد عنجر وعهد لبنان.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل