Site icon Lebanese Forces Official Website

لما وقفنا عند ضهر البيدر…

رفعوا أصابع النصر ما غيرها وذهبوا في اتجاه ذلّهم. جلاء جيش الاحتلال السوري عن لبنان. 26 نيسان 2005. توقفت الشمس تنتظر استكمال المشهد. تجمّد الوقت بعدما أسرته اللحظة. كانوا يرحلون، يوغلون في الرحيل، لم أشهد رحيلا أجمل وأروع من ذاك. كانت الشمس فاقعة ذاك اليوم، لا غيوم تشوبها ولا غبار، وحده غبار شاحناتهم وما تبقّى من آلياتهم ينعق كبوم اصيبت في حنجرتها، اصابة الخيبة والانكسار، وما عادت قادرة حتى على النعيق. كان يومهم الاخير هنا فوق أرض الاحرار والمقاومين  والثوار، من نوافذ الشاحنات التي تقلّهم كأمتعة صارت بالية بعدما “أمتعتنا” على مدار أكثر من ثلاثين عاما من الاحتلال والقهر ومحاولات التطويع، بأبشع أنواع التعذيب والاعتقال والتنكيل والنهب والاغتيال… وفشلوا، والله فشلوا وابتلعهم الذل.

عبروا بين الناس وكانوا يظنون ان وردة ما ستقع عليهم تندب رحيلهم، ولم تقع الوردة، ولا حتى كلمة وداع تشيّع العيون التي حاولت أن تفقأ عيون لبنان فأصيب بالعم. هي ارادة الخالق سكبها فوق ارادة هؤلاء الثوار، الذين حوّلوا تلك اللحظة من حلم مستحيل الى واقع تحكي عنه الاجيال، ويكتبه التاريخ حدثا لن يتكرر…أكيد لن يتكرر. لن يعودوا الى هنا وان كانت لهم الكثير من الايادي السود.

كان الطقس حارا، وقف الناس الى جنبات الطريق عند نقطة ضهر البيد يراقبون المشهد المدوّي، قال رجل لصديقه “عم نحلم ولا شو؟” فأجابه ببسمة عريضة تكاد تنفجر في وجهه “ع بالي ارشقن بالحجار شو رأيك؟” رفض صديقه وقال له “كل عمرنا كبار خلّينا هيك” فزعلت أنا، كنت أريد أن أراشقهم بوابل من الحجارة فقط أكراما لالاف الشهداء ومئات المعتقلين، ولاجل دموع الامهات وخوف الاباء وعمر الشباب الذي اهرق في المتاريس بدل الجامعات لصد هجميتهم ووحشيتهم، وكي يرفعوا “ايدن عن لبنان”. كنت اريد أن أراشقهم ولم أفعل، ليس لاني كما قال ذاك الشاب”خلينا كبار” لا، أعترف اني لم اكن في تلك اللحظة أريد أن أكون من هؤلاء “الكبار” وان كنت كذلك في الحياة عموما، لكن لاني جبنت، خفت الا يراشقهم أحد سواي، فيذهب الحجر هدرا، ولكني ندمت لاحقا اذ كان يجب أن أفعل لاخبر الناس، ولاكتب في تاريخي الشخصي، اني رشقت قافلة لجيش النظام السوري المحتل بحجر متفجّر، مشحون بكل ما أكنّه له من مشاعر سلبية، من مواطنة مقاوِمة تجاه جيش احتلال لا يرحم.

مرت السنوات وما زلت أقف عند ضهر البيدر ازلغط في ضميري من نشوة اللحظة. لم يكتمل مشهد الرحيل بعد، الزلغوطة ما زالت مكبوتة. خرجوا بذل العالم ورفعوا إشارات النصر ربما لانهم كانوا يعرفون ان “ملائكتهم” هنا سيحرسون ذلّهم، وسيعيدون الاعتبار لانكسارهم المدوّي. وهذا ما حصل ويحصل. لم يكتمل مشهد ضهر البيدر بعد، لم يسامحونا على هذا الذل العلني الذي شهدته عيون العالم، انتقموا منا، بأبسشع ما يكون، اغتالوا شبابنا رموزنا قلوبنا، انتهكوا أرضنا عبر ناسهم ما غيرهم، جعلوا من لبنان أرضا محروقة كما وعد ديكتاتورهم… وفي لبنان ناس تشعل لهم أول عود ثقاب، وتذهب معهم في العمالة المروعة.

لاجل كل هذا ننحن نناضل، لاجل كل الشهداء نحن نريد رئيسا قويا لبنانيا لبنانيا لبنانيا، وجمهورية ترفع اشارات النصر والكرامة وليس الرأس المنحني لذل “النظام”. لاجل كل هذا، نريد رئيسا لا يجعلنا نقف مرة ثانية في منطقة ضهر البيدر، نراقب جلاء جيش محتلّ، لانه لن يسمح بدخوله أساسا، وسيضرب باليد الحديد كل متعامل متعاون خائن متعاطف مع ذاك المشهد…26 نيسان 2005 لم ينته التحرير بعد، نحن في قلب قلب النضال والثورة…

Exit mobile version