#adsense

لماذا لا يستطيع لبنان تخطيط مدنه؟

حجم الخط

كتبت منى فوز في صحيفة “النهار”:

نستطيع، ببساطة، أن نصف الشكاوى المتعلقة بالتخطيط المدني في لبنان بأنها قضية اعتيادية عامة. فالزملاء، والأصدقاء، والأقارب، والمعارف، يشتكون بشكل دائم من مستوى الحياة الرديء، وتحديداً في بيروت: ازدحام مروري، تلوث هوائي، غياب المساحات الخضراء بما في ذلك غياب الشواطئ، الافتقار الى ممرات خاصة للمشاة والدراجات الهوائية، سوء توفير الخدمات الاساسية مثل الماء والكهرباء بالإضافة إلى تخريب الإرث الطبيعي والعمراني.

كثيرا ما تحدث المخططون المحترفون عن قنوطهم بسبب نوعية التخطيط الرديئة في البلد؛ فالتمدد العمراني وتراجع نسبة المساحات الزراعية الخصبة وعدم تقدير المباني التراثية وعدم مراعاة المعايير الجمالية في تنسيق ممارسات البناء، هي أكثر ما كان يؤسفهم. يتناقض هذا الواقع المؤلم بشدة مع معايير التخطيط؛ فقد مرت على لبنان أجيال من المخططين المدنيين والمصممين الذين طوّروا خططاً ورسموا رؤى وقدّموا حلولاً عديدة. فمنذ ستينات القرن الماضي تم إنشاء وكالات ومؤسسات تخطيط في لبنان، كما تم افتتاح العديد من مكاتب التخطيط العالية المستوى والضليعة في تقاليد التخطيط الأوروبية والأميركية.

من الواضح إذاً، أن التخطيط الرديء لم يكن نتيجة ضعف الخبرة أو اللامبالاة، فلماذا إذاً لا يستطيع لبنان تخطيط مدنه؟!

أريد في هذا المقال أن أطرح فكرة مفادها أنه بدلا من إلقاء اللوم في مسألة ضعف التخطيط على عجز الكفاءات أو الفساد (كما تعوّدنا في لبنان) فإن ضعف التخطيط ينبع في الأساس من غياب كتلة موحدة أو عامة لممارسة المهنة تحت اسمها، كذلك ينبع من غياب رقابة الدولة على الصالح العام. للخروج من هذا المأزق ألفت أيضا إلى أننا نحتاج إلى الاستثمار الجماعي والفردي في بناء مساحات مشتركة تجسد كتلتنا هذه.

التخطيط ومقوّمات الصالح العام

ترتكز ممارسة التخطيط المدني على وجود مصلحة عامة، أي الاهتمام المشترك للمجموعات المتعايشة بعضها مع البعض الآخر، التي تفوق في سياقات معينة المصالح الفردية أو الخاصة. وقد ركّز المخططون على مر السنين في تعريفهم للمصلحة العامة على مبدأين أساسيين: الأول يعنى بتوضيح معنى الصالح العام وبطرح تشكيل منتدى تشاركي حيث يمكن الأفراد الاتفاق على مصالحهم المشتركة (موروني 2004)، ويحرص المبدأ الثاني على القيم العالمية، وقد طور تعريفا لـ”مثلث الاستدامة” الذي وازن بين ثلاثة أهداف جوهرية: حماية البيئة، التنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية (كامبل 1996). يقوم جوهر هذه المبادئ على فرضية اساسية مفادها أنه كما يجب حماية المصالح الفردية والمحافظة على الحوافز الخاصة، هناك حاجة للموازنة بين الأولويات الفردية والضرورات الأساسية للحياة الاجتماعية على سبيل المثال (جودة الهواء، الحركة، التراث، المساحات الخضراء).

في هذا السياق يعتبر التخطيط قوة تقدمية وهو في تناقض مطلق مع الأوضاع المدنية المعاصرة حيث النخب المنظمة في ما يسمّيه باومان مجتمع السوق العالمي تتحمل مسؤولية نفسها وما يماثلها حصرا من دون الاهتمام بالمشاريع المجتمعية (أمين 2012).

يتطلب التخطيط انتباهاً إضافيا إلى خاصية “الكون معاً” التي تتسم بها الحياة في المساحة المدنية، حيث يقتضي الالتفات الى سياسات العيش معا (أمين 2012). لذا عندما يصل الأمر إلى إدارة الأراضي وتنظيمها، يستلزم التخطيط قبول الأفراد ومن ضمنهم مالكو العقارات بالتسويات المعقولة باسم الصالح العام. ولكي تكون هذه التسويات ممكنة، من الضروري أن يتماثل أصحاب المصلحة مع الصالح العام، وأن يدركوا بشكل ملموس الفوائد التي ستعود عليهم كأعضاء في الجماعة.

لبنان وانعدام الإيمان في الصالح العام

إن سنوات الحرب الأهلية والانقسامات الاجتماعية على أسس طائفية وطبقية، وممارسات التخطيط الموجهة في الغالب لتحقيق مصالح قلة معينة، قد ساهمت بفاعلية في القضاء على الاعتقاد العام بوجود صالح مشترك أو عام. يبدو ذلك جليا في كل مظهر من مظاهر المدينة تقريباً، حيث السكان منشغلون بتأمين المستلزمات الأساسية للحياة المدنية من خلال علاقاتهم الشخصية والفردية. لم يعد الصالح العام المشترك مهماً، وحجتهم في ذلك هي خيبة أملهم بعمل المؤسسات العامة التي يفترض أن تكون الطرف القيّم على الصالح العام وبعدم قدرتها على توفير الخدمات الاساسية التي عليها تأمينها؛ من مثل انقطاع الكهرباء والماء بشكل مخزٍ، وتردي الوضع الأمني والحركة المقيّدة بازدحام مروري ناجم عن سوء ادارة السير، وتجاهل منتشر للقوانين وعدم قيام قوات الشرطة المحلية بمهامها. وعندما اكتسب الأفراد خبرة في تأمين الكهرباء والماء والأمن بوسائلهم الخاصة، بعدما موّلوها بأنفسهم واستسلموا لفكرة أن المساحات الخضراء المفتوحة هي ترف خاص بالأثرياء، وجدوا أنفسهم مضطرين لتجاهل قواعد السلوك العام من أجل تأمين حاجاتهم الأساسية. مما يزيد من سوء هذا الوضع، هو انتشار ثقافة المحسوبية التي من خلالها يوزع السياسيون النافذون الموارد العامة على شكل هبات لمناصريهم، مرسِّخين بذلك التجاهل المتعمد لأصحاب الحقوق الفعليين. ففي الوقت الذي يعزل فيه الأثرياء أنفسهم في مقاطعاتهم التي يؤمّنون لها بواسطة الخدمات الخاصة وسائل ترفيهية يفترض أن تكون ذات طابع عام عادة، يسعى الآخرون لتحقيق غاياتهم بالطرق التي يرونها مناسبة.

في المقابل يعمد المسؤولون الحكوميون إلى تجريم الجمهور العام بصفته لا يستحق الحصول على وسائل الترفيه الشعبية. لعل أفضل مثال على ذلك، هو إعلان رؤساء البلديات المتعاقبين عن رغبتهم في إغلاق المتنزه الرئيسي في المدينة، حرج بيروت، وإصرارهم بشكل متكرر على ارتيابهم من الجمهور، ومن التهديد الذي سيشكله على المساحات الخضراء اذا ما سُمح له باستخدام المتنزه. وقد أبدى رئيس البلدية الحالي تخوفا شديدا من الممارسات الخاطئة التي ستنتشر اذا ما سُمح للجمهور بدخول المتنزه. بشكل مماثل، تعتزم البلدية تنفيذ مشروع طريق سريع فوق آخر أحياء المشاة المتبقية في بيروت، مبيِّنةً بوضوح تفضيلها الحركة السريعة على التواصل الشعبي اليومي. باختصار؛ ترى المؤسسات العامة أن دورها هو حماية العام من الجمهور، فيما ينظر الجمهور إلى المؤسسات العامة على أنها فاسدة ولا يتورع عن ازدراء قوانينها.

وقد تجاوز الازدراء وعدم الثقة بالصالح العام الحاضر، كلّ حدّ ليشمل التاريخ المشترك؛ فمنطق المحافظة على الإرث الطبيعي والعمراني، أساسه يرتكز إلى حد كبير على أهمية هذا الإرث للصالح العام، وأهمية هذا الصالح يجب أن تفوق القيمة المادية التي يجنيها صاحب الملكية كفرد. لذا، عندما نشاهد الإرث الطبيعي والعمراني لبيروت يتلاشى بسرعة أمام أعيننا، لا بد لنا أن نذكّر أنفسنا بأن ما نفقده على وجه التحديد هو الذاكرة المشتركة للمدينة. في هذا المعنى، إن محو القلب التاريخي للمدينة هو محو للحياة التجارية وللتمازج الذي اتسمت به بيروت قبل الحرب الأهلية. فعندما تمت مثلاً إزالة فندق كارلتون الذي حل ذات يوم على البطاقات البريدية وفي كل دليل سياحي، لم يشكّل ذلك خسارة لمبنى فحسب، بل كان إلغاء لمعالم سياحية منحت بيروت إحدى أكثر صورها جمالا واعتزازا.

الخاص مقارنةً بالعام

إن تدمير مبنى تراثي أو التوسع العمراني على حساب جمال الشواطئ، كلاهما يستجيب لمبدأ تعظيم الربح الفردي عبر هذه المشاريع العقارية، والتنافس على حساب المصلحة الجماعية؛ وهو مبدأ يؤدي إلى توظيف الاموال في المساحات العامة المشتركة على الرغم من أن هذه المساحات تشكل العمود الفقري الرئيسي في حياة هذه المدينة. وبدلا من السعي إلى عكس هذا المبدأ، يعمل صنّاع السياسة والقوانين المنفذة في بلدنا على مفاقمته، فتعجز تالياً سياسة حماية المباني، التي تعود إلى عام 1933، عن تصنيف معظم تراثنا المبني على أنه مبان أثرية. حتى عندما تصنَّف المباني على أنها تراثية، تكون حمايتها مستحيلة باعتبار أن قيمتها العقارية والفوائد المحتملة التي ستعود على أصحاب الملكية الخاصة أصحاب الصلة، تفوق باستمرار أي استثمار يعود بالنفع على المدينة.

علاوة على ذلك، فإن نصوص قوانين البناء المتعاقبة عندنا، بما في ذلك تعديل قانون 2004، الأكثر خزيا، يسمح للمتعهدين بإنشاء مبان أكثر كثافة وارتفاعاً، واستبدال نسيج المدينة القديم بها. في الوقت نفسه تفتقر هذه القوانين إلى أي بنود واضحة تحفز إنشاء مساحات مفتوحة ومشتركة أو ممرات للمشاة أو أي محسنات لقابلية المشي والحركة والعيش في هذه المدينة. الأكثر سوءاً، أن سياستنا العقارية لا تزال تمنع فرض أي ضرائب على الملكيات، وهذا ما يجعلها تفقد قيمتها الاجتماعية على الرغم من الحاجة الماسة إليها، مستبدلةً ذلك بتصوير المضاربة العقارية على أنها قطاع مهم ومنتج في الاقتصاد.

أما بالنسبة إلى شاطئنا، فقد حوّلناه إلى مكان خاص يمكن بيعه بملايين الدولارات إلى النافذين من أصحاب رؤوس الأموال، فيما تستولي الاستثمارات العقارية الغامضة على ما بقي من مساحته العامة وتعمد إلى خصخصة منافعه.

ما الذي يمكن فعله؟

من أجل عكس الاتجاهات المذكورة أعلاه، أرى مخرجاً وحيداً من هذه الأزمة هو العودة إلى الاستثمار ضمن فكر الـ”نحن” والـ”معاً” من أجل إعادة تنظيم مدينتنا وتخطيطها. من هنا يطلب من صنّاع السياسة:

–  تحديد القيمة الاجتماعية للأرض على أساس أنها ليست مجرد عقارات بل هي أيضا أماكن يمكن العيش فيها. على سبيل المثال: ملاجئ، مراكز اجتماعية، متنزهات عامة، ممرات مشاة… الخ. بناء على ذلك، يجب فرض توازن بين ما يمكن صاحب الملكية كفرد أن يفعله بملكيته الخاصة وبين حاجات سكان المدينة التي تتعلق بهذه الملكية. بهذا نكون قد اقتدينا بما فعلته البرازيل على سبيل المثال بصونها القيمة الاجتماعية للملكية في دستورها، وما فعلته أيضاً دول أوروبية أخرى جسدت هذا الاتجاه في الفصل بين الحق في التملك والحق في استثمار هذه الملكية.

–  فرض قوانين ضريبية وفقاً للمذكور أعلاه، تحدّ من ممارسات المضاربة العقارية؛ فارتفاع أسعار العقارات يشكل من دون أدنى شك عائقاً أساسياً أمام إمكان تنفيذ أي تخطيط. فكل تقييد يفرض على الملكية الخاصة، سواء لحماية التراث أو للمحافظة على المشهد البحري أو لتنظيم المساحات العامة أو لمنع التمدد العمراني، يترجَم فوراً بأنه خسائر اقتصادية فادحة لأصحاب الملكية، وعلى غرار السياسات الأخرى حيث يتناقض الصالح العام مع المصلحة المحدودة لمجموعات نافذة ومنظمة على سبيل المثال القانون الجديد الذي يمنع التدخين في الأماكن المغلقة سيكون من الضروري بناء تحالفات تدعم هذا النوع من التدخل.

–  تفعيل أدوات التخطيط المتوفرة، مثل تجميع الأراضي وغيرها ويتضمن ذلك دعم المرافق المشتركة.

–  السماح باستخدام المساحات المتروكة بين المباني وتشجيع تحويلها إلى مساحات مفتوحة مشتركة كوسيلة لبناء مصالح مشتركة تمارس في هذه المساحات العامة المشتركة.

–  تقديم حوافز لمتعهدي البناء لإنشاء مساحات مشتركة بين المباني بحيث تشكل البذرة الأولى للتفاعل الشعبي المشترك.

–  دعم مبدأ المشاركة في كل مستويات التخطيط من أجل إنتاج أفراد يكونون من أصحاب المصالح المتسمين بالشفافية يقومون على حماية الصالح العام ودعمه وتحسينه.

أما على المستوى الفردي، فيرتكز إمكان استخدام العام على الممارسات اليومية لقاطني المدينة. فمشهد الملكية الخاصة في المدينة يحتاج إلى التغيير من طريق تفعيل الشكاوى القديمة والجديدة تجاه طابع هذه الملكية المادي والمسيطر. تتطلب هذه المطالبة بالملكية، كملكية عامة، أن نعزز ثقافة النظر إلى مساحات المدينة على أنها مجالات عامة، وهذا يدعونا إلى استخدام الأرصفة، واستثمار المساحات المتروكة، وتجاوز الشواطئ المغلقة، واستعادة الحس الصادق نحو العام عبر هذه الممارسات. تقع هذه المسؤولية على عاتق جميع سكان المدينة وليس فقط على المخططين منهم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل