لم أكن من مؤيدي وصول رئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع الى رئاسة الجمهورية.
الآن، اصبحتُ …معه!
ليس برنامجه هو أساس تغيير وجهة نظري. لا قيمة للبرامج في الحياة السياسية اللبنانية. أنظروا أصحاب الشعارات البرّاقة، كيف يتراجعون عنها، فجأة عندما يجلسون على أي كرسي. مبرر الواقعية السياسية جاهز للتراجع عن أي تعهد وأي وعد وأي برنامج.
السبب يعود، حصرا، الى الحملة الشعواء التي شُنّت وتُشن على سمير جعجع.
قبل هذه الحملة، كنتُ ممّن يُفكرون، بأن الانتخابات الرئاسية، مناسبة لقلب الطاولة رأسا على عقب.
وبصراحة مطلقة، لم يكن وجوب التمعن في فائدة وصول ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، غائبا عن ذهني وتأملاتي وتمحيصي.
ولكن، كل ذلك عاد فتهاوى، وانتصر خيار جعجع، بشكل مدو.
سقط عون، في الضربة القاضية. سقط خيار من لا يُقيم اعتبارا لأي قيمة، ومن يحتضن تحت جناحيه، أبشع خلقنا: الحقود هنا والإنتهازي هناك، والخائن هنالك.
في الأساس، من يسمّون أنفسهم بالوسطيين، هم ساقطون. لا جدوى منهم. بعضهم “وسطي” بفعل الخوف. بعضهم “وسطي” بفعل الوصولية. بعضهم “وسطي” بفعل نبذه في محيطه.
صحيح أن التسوية التي يُمكنها أن تُرضي أهدافا لبنانية سامية، لم تسقط كخيار بعد، ولكن الصحيح أكثر أن “فن الممكن” لا قيمة له إن استوى الجميع في مسار النضال.
الحملة على سمير جعجع، وهي تدخل في إطار ما يسمى عمليات الإغتيال المعنوية، قدمت مسار النضال على سواه.
ثمة سؤال، كان يواكب كل عنصر من عناصر محاولة الإغتيال المعنوي لجعجع: لماذا يخشونه، حتى حوّلوا عملية سياسية ديموقراطية الى عملية اغتيال مدوّية؟
القتلة وحماة القتلة وحلفاء القتلة وأبواق القتلة يتجنّبون نبش القبور، إلا إذا كانوا على يقين بأن جعجع قادر على إحداث التغيير، وعلى فرض نمط جديد في لبنان، وعلى تكبير حجم الدولة لتقزيم حجم الدويلة.
أصبح الخيار بين جعجع وبين خصومه- خصومنا!
بعض الأقلام التي تقود الحملة على جعجع هي النقيض لكل ما تكتبه ضد جعجع. من يرثي أسامة بن لادن لا قيمة لهجوم مستجد على “داعش”. من عُرف بأنه مجرد رجع صدى لأمن “حزب الله” لاقيمة له، وهو يتحدث عن نظافة السجلات.
بات الخيار بينها وبين جعجع!
ومن يلتف حول “حزب الله” الذي يرتكب المجازر في سوريا، ويحمي القتلة في الضاحية، ويؤازر كبار مفسدي المجتمع، في التغذية وفي المخدرات وفي التهريب الجمركي، يريدنا أن ننبذ جعجع.
بات الخيار بينه وبين جعجع!
أسعد حردان رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، لا غير، يرفض أن يصبح القاتل رئيسا!
هزُلت. والله هزلت.
بات الخيار بين هذا الموبوء، ماضيا وحاضرا، وبين جعجع!
التقارير الصحافية عن أن الأوراق التي سجلت أسماء «ضحايا الحرب» تعود إلى نواب من “التكتل العوني” أو من كتلتي “القومي” و”البعث”، تُثير الإشمئزاز.
أصبح الخيار بين الأسديين الجدد والقدامى، وبين جعجع!
جميع الساقطين في امتحان السلم، والغارقين بدماء الحرب، يريدوننا أن نختار بينهم وبين جعجع، على اعتبار أنهم “قديسون” وهو ” مجرم”.
هو مجرم، كما كان ميشال عون، بالنسبة لهم، في يوم من الأيام، مجنونا ومشروعا إسرائيليا، ومتمردا، ويستحق السحق.
هؤلاء المقززون للنفوس، لا يُقيمون اعتبارا للأفعال. لو كانوا كذلك، لانتحروا. هؤلاء يقيمون اعتبارا للخيارات.
من يتنازل عن خياره اللبناني السيادي، يتم تطهيره، في معابدهم السوداء. ومن يتمسك بخياراته اللبنانية السيادية، يرشونه بدماء مسحوبة من آبارهم المملوءة بدماء الطفلة مايا بشير الجميل والرؤساء بشير الجميل ورينيه معوض ورفيق الحريري و…!
بات الخيار بين هؤلاء وبين جعجع!
بحملتهم على جعجع، ضيّقوا علينا الخيارات. أصبح التخلّي عن جعجع يُقارب الخيانة.
خيانة من تطهر من موبئات الحرب في عذاب دام 11 سنة في جحيم الزنزانة الإفرادية، لمصلحة من أفلت من العقاب.
خيانة من تمسك بغالبية المبادئ الوطنية التي نؤمن بها، لمصلحة من يخون تطلعاتنا أو يرسم تطلعات لا تشبهنا.
خيانة من رفع لواء العدالة ضد جرائم زمن السلم الأهلي، لمصلحة من رفع لواء مزيد من تقتيلنا.
في الواقع، أهم برنامج رئاسي لجعجع، ليس ذاك الذي أذاعه، بل ذاك الذي دسّته أياد ملطّخة بالعار، أوراقا، في صندوق الإقتراع.