بمعنى آخر تشير هذه «الحملة الشنيعة» على الرئيس الحريري الإبن ـ الذي لم يتخلَّ عن «بهلوان التقلب السياسي» وليد جنبلاط وحفظ له ذاك الموقف الموقت إلى جانب ثورة الأرز يوم كانت مصالحه معها ـ بمعنى أدقّ يروّج هؤلاء لـ «صفقة» يتنازل فيها سعد الحريري عن أكثر من مليون ونصف المليون لبناني اجتمعوا في 14 آذار العام 2005، أن يتنازل عن جمهوره وناخبيه وعن سمعة سياسيّة فيها الكثير من الصدق مع الناس والوفاء للأهل والأصحاب والأصدقاء والحلفاء سمعة ورثها عن أبيه، من أجل أن يربح ميشال عون «رئيساً»!!
ثمة مثلٌ لبناني يقول:»مجنون يحكي وعاقل يسمع»، والعاقل إذا سمع سيتساءل :أي ربحٍ سياسي سيجنيه سعد الحريري بأن يخسر لبنان كلّه ليربح ميشال عون، وأي صفقة هذه التي يدور الحديث فيها وبجزم عن «موافقة» الحريري التي ينتظر «موافقة المملكة العربيّة السعوديّة» على ميشال عون «رئيساً»، وكأن المملكة العربية السعودية، ولا موفدها آنذاك الرئيس الشهيد رفيق الحريري بالتحديد، لم تختبر ما فعله ميشال عون بلبنان خلال العامين 1989 و1990، وكيف دخل إلى قصر بعبدا ـ وكان القصر قد تمّ ترميمه خلال الفترة الرئاسية للشيخ أمين الجميل ـ بمهمة محددة و»غير توافقية» لإجراء انتخابات رئاسيّة فاختطف لبنان إلى حروبٍ ضروس فاقت في تدميرها ما تعرض له لبنان منذ العام 1975، وتتجاهل هذه السيناريوهات المشهد التدميري والخراب الذي انتهى إليه «القصر الكئيب» الذي مارس منه عون حكماً «ديكتاتورياً» حلّ خلاله كلّ السلطات الدستورية «فلا رئيس ولا حكومة وتجرّأ أخيراً وحل مجلس النواب»، بخطابات متتالية ومؤتمرات صحافيّة من ملجئه في الطابق الثالث تحت الأرض!!
وما هي الضمانة التي ينبغي على العاقل أن يتساءل:هل سيصدّق الرئيس سعد الحريري هكذا وببساطة ميشال عون الذي صرّح ومن دارة الرئيس الشهيد في قريطم أنّ خمسة بالمئة فقط هي الفارق السياسي بين «التيار العوني» و»تيار المستقبل»، قبيل الانتخابات النيابية في العام 2005، ثمّ جمعت هذه الحمسة بالمئة كلّ الموبقات والتهم والسرقات والشتائم التي كيلت للحريري الأب والإبن ولجمهورهما ولاحقاً للطائفة السُنيّة!!
الحديث عن هذه «الصفقة الكاريكاتيريّة» يجعلنا نقول:أنّ من «يبخّ» الأحاديث عنها يريد أن يُسيء وبشدّة للرئيس سعد الحريري فيصوّره في واحدٍ من صورتين:
الأولى؛»الخائن» لحلفائه وجمهوره ولدماء شهداء ثورة الأرز، والثانية صورة «المعطّل» لانتخاب رئيس الجمهورية المسيحي «ميشال عون» وكأن المرشحين المحتملين الرئاسيين الدكتور سمير جعجع، والرئيس أمين الجميّل، والشيخ بطرس حرب، والدكتور رياض سلامة، والعماد جان قهوجي، أو أي اسم آخر هم من «مسلمون سُنّة» لا موارنة أقحاح!!
المبرّر الوحيد والحقيقي لهذه «الدسائس» هو ضرب «وحدة» 14 آذار التي خيّبت أمآل حزب الله والتيار العونيّ حتى الآن، عودة عون إلى قصر بعبدا «رئيساً» أشبه بتسليم الرئاسة الأولى لمرشد الجمهورية الإيرانية علي الخامنئي ليحكمه عبر وكيله الشرعي ـ نائب نائب المهدي الإيراني المنتظر ـ أمين عام حزب الله حسن الله ـ بعد 9 سنوات من تقديم الشهداء والتضحيات والنضال ـ ليحكم لبنان عبرها تماماً مثلما يتحكّم بالسلطة التشريعيّة والمجلس النيابي عبر الرئيس نبيه بري، أو كمن ينتخب «بشّار الأسد» رئيساً لا لسوريا بل للبنان!!
وعليه يبدو أن حديث «الصفقة» هذا سينتهي بهتاف نصف الشعب اللبناني:»بقوة الله ومار عبدا.. عون مش راجع ع بعبدا»، والسيناريو الأكثر الأفضل والأنسب للكباش الإقليمي الدائر حتى الآن، هو التمديد للرئيس ميشال سليمان، أو انتخاب «رئيس توافقي» مجدداً!!