
كتبت رلى موفق في صحيفة “اللواء”:
المواجهة بالنقاط لا الضربة القاضية ووجهة عون نحو المختارة بعد إقفال بوابة
في معراب، ثمة حيوية لافتة يلحظها زوّار مقر «القوات اللبنانية»، فترشيح رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع إلى الانتخابات الرئاسية حَوّل المقر إلى «خلية نحل». الكل يعمل ليل نهار، حسب المهام المُوكلة إليه. الماكينة الإعلامية لا تفوتها أي شاردة أو واردة مما يُكتب في الصحافة المقروءة، ويُبث في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي. والمحصلة اليومية تجدها على مكتب «الحكيم» الذي يتابعها بدقة، ويُمحّص فيها وفي خلفياتها ومراميها.
أما طواقم العمل الأخرى والمستشارون والخبراء، فكل يعمل من موقعه في مشهد متكامل لإدارة المعركة الرئاسية في دورتها الثانية وما بعدها. فحصيلة إدارة المعركة في الدورة الأولى حققت أهدافها، ونجحت قوى 14 آذار في أن تقدّم مشهداً متماسكاً بتبني ترشيح جعجع وبطريقة خوضها المواجهة، رغم الهجمة الشرسة على جعجع التي بدت وكأنها «حرب شاملة» تُشن على الرجل من كل حدب وصوب بـ «سلاح قذر»، ولا تزال مستمرّة.
معراب وقوى 14 آذار تخوض معركة سياسية، والأخصام لا سلاح لهم إلا نبش القبور والعودة إلى إحياء سجلات الحرب الأهلية التي انغمس فيها كل الأفرقاء، وتلوثت أيدي الجميع فيها، الذين كانوا آنذاك زعماء ميليشيات كل من موقعه قبل أن تضع الحرب أوزارها وتنتهي فصولها مع «اتفاق الطائف»، فتُسلِّم الميليشيات سلاحها وتدخل إلى التسوية السياسية بلباسها المدني.
في معراب، إصرار واضح على المضي قدماً في المواجهة السياسية وعدم الانجرار إلى اللعبة التي يريدها الخصم، عبر نبش الصفحات الأليمة من الحرب التي طواها اللبنانيون وفتحوا صفحات المصالحة وإعادة اللحمة الوطنية التي خطا خطواتها الفعلية البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في مصالحة الجبل التاريخية، وتجسّدت واقعاً بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005. هذه الجريمة الإرهابية التي عصفت بلبنان في زمن السلم لا زمن الحرب والتي يُحاكم فيها اليوم خمسة متهمين من كوادر «حزب الله» أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وتلتها عمليات اغتيال منظمة ومدروسة لقيادات في قوى الرابع عشر من آذار في الماضي القريب حيث دماء الوزير الشهيد محمد شطح لم تجف بعد.
الإصرار واضح على استكمال المعركة بـ «سلاح نظيف» في مواجهة «السلاح القذر»، على الرغم من أن في الذاكرة الكثير من الصفحات غير المشرّفة للكل، من «مجزرة الأونيسكو» التي اتُهم بها الجنرال ميشال عون يوم كان يخوض «حرب التحرير»، إلى «حرب العلم» التي ضاقت بها شوارع بيروت بين الحليفين المُعمّدين بالدماء (نبيه برّي ووليد جنبلاط)، إلى «حرب المخيمات»، إلى حرب الأخوة في إقليم التفاح بين «حركة أمل» و«حزب الله» التي لم ينج منها بيت أو عائلة جنوبية، إلى «حرب الجبل» المثقلة بالجراح، إلى «غزوة 7 أيار المجيدة»… الذاكرة مليئة بصفحات سوداء، أبطالها هم قادة سياسيون، تماماً كما هو جعجع، لكن هذا الرجل تميّز عنهم أنه دفع ثمن خياراته السياسية إحدى عشرة سنة في زنزانة انفرادية، فيما الآخرون ساروا في الركب حاملين شعار «الواقعية السياسية» في زمن الوصاية السورية على لبنان.
وعنوان المواجهة السياسية اليوم يتمثل في استمرار جعجع مرشحاً بعباءة 14 آذار. ففرص وصوله متساوية مع فرص وصول الجنرال عون، إذا كانت المعركة محصورة بين مُرشحَين قويين لديهما حيثية في الشارع المسيحي، لا بل في الحسابات السياسية تفوق حظوظه حظوظ عون، إذا لم يلجأ الفريق الآخر إلى سلاح تعطيل النصاب. وهو ما يُتوقع حصوله على ضوء ما أوحى به رئيس تكتل التغيير والإصلاح عقب الدورة الأولى من الانتخاب الأربعاء الماضي، حين وضع معادلة «إما أنا أو الفراغ».
والمخاوف في لعبة التعطيل إلى تزايد مع الأجواء التي تسود الأوساط المتابعة للاستحقاق الرئاسي في كنف قوى 14 آذار. فلقاء زعيم تيّار المستقبل سعد الحريري مع الوزير جبران باسيل، الذي كشف رئيس حزب القوات انه سيحصل خلال الساعات المقبلة، لن يحمل في طيّاته أنباءً سارة لصهر الجنرال، كما عمدت أوساط التيار الوطني إلى إشاعة أجواء الصفقة الكبرى بين الحريري وعون. فوفقاً لما رَشح من قنوات التواصل بين مكونات 14 آذار التي تدير الاستحقاق، ومن دوائر معراب، فإن الحريري سيُبلغه موقفه الواضح بعدم السير بالجنرال كمرشح توافقي. هذا الخبر غير السار ستكون له تداعياته في رأي الأوساط المتابعة، على العلاقة بين «التيار العوني» و«المستقبل»، وقد تؤول إلى انتهاء شهر العسل بين الجانبين، وليس مستبعداً أن تنعكس على الوضع الحكومي داخل مجلس الوزراء، وأن تُترجم في معاودة الحملات على الحريري والمملكة العربية السعودية والمستقبل وقوى 14 آذار، إذا لم يتقبّل عون مجريات الواقع السياسي.
وفي التوقعات، أن إقفال البوابة الحريرية أمام عون سيدفع به إلى الاتجاه نحو البوابة الجنبلاطية كفرصة أخيرة لتحقيق حلمه الرئيسي، وهي من الصعوبة بمكان أن يجدها مفتوحة، فالكيمياء بين وليد جنبلاط وعون مفقودة، تماماً كما هي الحال بين جنبلاط وجعجع، وإن كانت الأسباب مختلفة.
هذا الواقع يدفع مهندسي إدارة المعركة في معراب إلى التساؤل عمّا يمكن أن يُقدم عليه الجنرال حين يقتنع بأن حظوظه تتضاءل، وهل يُسلّم عندها الدفة إلى «حزب الله»، ليتولى «الثنائي الشيعي» إدارة اللعبة ومحاولة خلق «دفرسوار» من خلال جنبلاط للإتيان برئيس توافقي وفق معاييرهم لهذا الرئيس.
الصورة غير واضحة المعالم، وضبابيتها ليست مرتبطة فقط برمادية المشهد الداخلي، بل أيضاً بغياب أصدقاء لبنان الدوليين عن المسرح اللبناني، فلبنان ليس في أولويات الغرب، والقول إن «الأميركيين غائبون عن الوعي» قد يكون توصيفاً أقرب إلى الواقع اليوم لموقف واشنطن من لبنان الذي لا يندرج في سلم أولوياتها. هي سعت وباريس في مرحلة سابقة لفتح قنوات تواصل مع طهران والرياض حيال الاستحقاق، لكنها توقفت. وعادت فرنسا منذ يومين، وفق المعلومات، إلى معاودة المحاولة، ولكن لم تُسفر عن شيء، وجل ما يقوم به السفير الأميركي لدى لبنان دايفيد هيل هو سبر الأغوار والمتابعة لمجريات الأحداث.
فمن التقى الدبلوماسي الأميركي مؤخراً ترسخت لديه قناعة بأن لا تأثير ولا مرشّح لواشنطن. موقفها الثابت هو في إجراء الانتخابات بموعدها، ولكن قد يكون الجديد الذي طرأ على هذا الموقف يتمثل في إظهار معارضتها لوصول مرشّح قريب من سوريا إلى الرئاسة الأولى، إلا أن من خَبرَ «البراغماتية الأميركية» يُدرك أن واشنطن ستتعامل مع أي مرشّح قريب من سوريا إذا وصل إلى سدة الرئاسة.
في معراب، لا أوهام كبيرة… ترشيح جعجع يُشكّل القاطرة التي يمكنها أن توصل رئيساً من 14 آذار إلى قصر بعبدا، ليس بالضرورة «الحكيم»، ولكن بزخم مسيحي إذا أحسنت هذه القوى إدارة المعركة.
فالمعركة الرئاسية جزء من معركة لبنان الطويلة التي لا يمكن لأحد أن يربحها بالضربة القاضية بل بالنقاط … وحتى الآن سُجّلت في هذه المعركة النقاط لصالح 14 آذار، فهل تستمر… أم أن الحسابات ستخونها؟