من أجل لبنان، لا من أجل سمير جعجع

حجم الخط

كتب هشام بو ناصيف:

في الحرب الاهلية الاميركية التي تقاتل فيها الشمال والجنوب ارتكبت قوات الطرفين مجازر وثقّتها جمهرة من المؤرخين. ابراهام لينكولن، رئيس الولايات المتحدة، والقائد الاعلى لجيش الولايات الشمالية، دخل التاريخ كهامة ألغت الرقّ في أميركا. ولكنّ لينكولن كان أيضا قائد حرب. بناء على أوامره، اجتاحت قوّاته مدنا وقرى، وقتلت مدنيين، وحرقت حقول.

غير صحيح أن الحرب تواجه فيها عنصريون جنوبيون، توحشوا، وليبراليون شماليون خاضوا معارك نظيفة، حرصوا فيها على قواعد اشتباك مأخوذة من أفضل ما وصلت اليه القيم والمواثيق الدولية انذاك. الصحيح أن الشماليين والجنوبيين لم يختلفوا كثيرا لجهة الاستعداد لدفع العنف الميداني الى حدوده القصوى. مع ذلك يصعب وضع الشمال والجنوب في خانة أخلاقية واحدة، اذ لا يمكن مساواة من حرّر الافارقة-الاميركيين، وأعطاهم حقّ الاقتراع، بمن أراد الابقاء عليهم رقيقا يعاملون معاملة البهائم في حقول قطن ألاباما، وميسيسيبي، وسائر ولايات الجنوب.

الامر عينه ينطبق على أطراف الحرب الاهلية الاسبانية، والنزاع الاهلي الطويل في جنوب أفريقيا، وحرب تحرير الجزائر – وقد كانت، في جانب منها، نزاعا أهليا – وسواها من الحروب.

أهوال النزاعات ترتكبها كلّ الاطراف فيها، لكن من قاتل مع الجمهورية ليس كمن قاتل مع الفاشية، ولا من قاتل لابقاء بلاده مستعمرة كمن قاتل لتحريرها، ولا من حارب لتمكين الابارتايد كمن حارب ضدّه، وهكذا، ببساطة شديدة لا يوجد حرب أهلية نظيفة، ولا يوجد تاليا قادة حرب أنقياء. لأن الانزلاق الى العنف سقوط في مستنقع. مع ذلك، تبقى الطهرانية التي تعادي كلّ من قاتل لمجرّد أنّه فعل تبسيطية، ويبقى التمييز السياسي بين موقف واخر، وبين تبعات هذا الموقف، وتبعات نقيضه، على حركة الشعوب، وصيرورتها التاريخية، ضروريا.

التمييز ضروريّ لانّ الحرب الاهمّ تبدأ بعد الحرب، أي بعد سكوت المدافع. هي حرب رواية التاريخ، وتفسير ما حدث، واستخلاص العبر. الحرب العالمية الثانية ليست بلا صلة، في جذورها الفكرية، مع العبر التي استخلصها اليمين الالماني من الحرب العالمية الاولى – أي مع النظريّة التي شاءت أن ألمانيا كانت قادرة في العام 1918 على متابعة القتال، لو لم تتعرَض لـ”طعنة في الظهر” من اليسار الالماني، وفيه من فيه من الناشطين والمفكرين اليهود. لكانت خلاصات مختلفة قادت لسياسات مختلفة، مع ما كان ذلك عنى لألمانيا، وأوروبا، والعالم.

الافكار مهمّة لان الواقع، بلاها، مجموعة أحداث تتوالى خبط عشواء. الافكار تعطي الاحداث معناها، وتنظمّها. من أجل ذلك ينبغي أخذ تفسير التاريخ – وتحديدا، تاريخ الصراعات الاهليّة – على محمل الجدّ. لان ما سيأتي لاحقا في حياة الشعوب لا يمكن الّا أن يكون مرتبطا حكما بفهم ما سبق – وبسوء فهمه أيضا.

والحال أن الصراع على تاريخ لبنان لا يزال مستمرا. الصراع على تاريخ الحرب اللبنانية جزء من الصراع الاكبر. من أجل مستقبل لبنان، ينبغي أن تنتصر الرواية التي قالت بأن هذا الوطن يستحقّ الحياة، وبأن يحقّ له، كأي دولة أخرى، وضع مصلحته الوطنيّة فوق أي اعتبار آخر.

ينبغي أن نتفق ان من لم يمانع باستتباع لبنان لعبد الناصر في الخمسينات كان على خطأ. وكذلك كان على خطأ من لو يزعجه كثيرا، في السبعينات، تحوّل ياسر عرفات من لاجئ فلسطيني آخر في بيروت، الى رئيس جمهورية الفاكهاني، وحاكم لبنان الفعلي. كان على خطأ، أيضا، من نظّر للعلاقات المميّزة مع “سوريا الاسد” في الثمانينات والتسعينات.

وكذلك هو على خطأ، اليوم، من يقبل تحويل لبنان الى منصّة للنفوذ الايراني على ضفاف المتوسط. ذلك أن الخطر الوجودي علينا لا يأتي من صوب البحر، ولا من أي جهة أخرى. الخطر الوجودي يأتي من الشرق، ومن الطموحات التوسّعية لمغامرين فيه، ولضبّاط انقلابيين، وحكّام بأمر الله.

بقاء لبنان، تالياً، مرهون باقتناع اللبنانيين بتحييده عن محيط لم يعترف يوما بحقّه بالاستقلال السياسي، وأحيانا، بمجرّد الوجود. محيط يختلف أطرافه على الكثير، ويتصارعون، ويتفقون مع ذلك على ابقاء لبنان ساحة للحروب بالواسطة، لا وطناً ودولة. هذه الخلفية لا ينبغي أن تغيب عن الذهن عند مقاربة تاريخ الحرب الاهلية في لبنان، ودور القوات اللبنانية، وسمير جعجع، فيها.

لا يمكن، ان كنّا نريد اليوم مقارعة دولة “حزب اللّه” في داخل الدولة، أن نحاجج أن التجربة السابقة المماثلة لياسرعرفات في لبنان كانت نصراً من الله، وفتحا مبين. ولا يمكن، ان تمرّدنا اليوم على استعمال الخامنئي ونظامه لبنان كحجر على رقعة الشطرنج الاقليمية، أن نسبغ الشرعية على قيام حافظ الاسد بالأمر عينه قبل عقود من الزمن.

المواجهة مع “حزب اللّه” هي مواجهة على الافكار أيضا، وربّما، أوّلاً. ومن ناحية وظيفية، لا يختلف “حزب الله” كثيراً عن الناصرية سابقاً، أو الفتحاوية – كلّ هذه التجارب قامت على احتقار الصفة الدولتية للبنان، مقابل اعلاء الشأن الاقليمي، وقضيّة ما، دائما كبرى، ودائما أهمّ من قضيّة لبنان.

وان كانت عزّة العرب ووحدتهم أهمّ من مصلحتنا الوطنية “القطرية”، كما جادلت الناصرية (والبعثية)، وان كان تحرير فلسطين أهمّ من سيادة لبنان، كما شاءت الفتحاوية، فما المانع من أن يكون انتصار المشروع الاقليمي الايراني اليوم أهمّ من لبنان مجدّدا، كما يفكّر، ضمنا، “حزب اللّه”؟

ولكي يكون من يقول بأن مصلحة لبنان تأتي قبل أي اعتبار آخر متماسكا فكريّا، ينبغي أن يضيف أن الامر كان دوما كذلك، وأنّه ينبغي أن يكون دوما كذلك أيضا.

هذه الرواية لتاريخ لبنان هي رواية ما عرف عندنا باليمين اللبناني – والقوّات كانت خلال الحرب رأس حربته. جاء الخطر على لبنان في الحرب أساسا من السلاح الفلسطيني، ثمّ من احتلال جيش الاسد لبلادنا، والقوّات حاربت الاثنين. بقدر ما يتأبلس دور القوّات في الحرب، بقدر ما يتعزز حكما تأريخ الحرب المعادي للقوّات – أي تأريخ الـ”كلّنا فدائيون”، و”الطريق الى القدس تمرّ بجونيه”، وصولاً الى الـ”شعب واحد في دولتين”، و”العلاقات المميّزة”.

واذا انتصرت هذه الرواية لحرب لبنان، تنهار القاعد الفكرية الوحيدة التي يمكن من خلالها مقارعة “حزب اللّه” اليوم بشيء من التماسك الذهني، وهي، تكرارا، قاعدة الوطنية اللبنانية، وحقّ لبنان بالسيادة على أرضه، وبالدولة القوية، وبالاستقلال السياسي التام.

نصل الى جعجع، الطالب في الجامعة الاميركية، سمير فريد جعجع، لم يخترالجندية في الاصل مهنة. فاجأته الحرب محازباً في مصلحة طلاب الكتائب، فكان على الضفّة اللبنانية الصحيحة من الصدع الأهلي، لا لأن الكتائب والمارونية السياسية ما أخطأت يوماً، بل لأن انحياز أخصامها للسلاح الفلسطيني ضدّ الدولة وجيشها كان خيانة للبنان، نقطة على السطر.

حارب جعجع الميليشيات الفلسطينية في الكورة، وجيش الاسد في بلّا، مطلع الاحداث. أسقط الاتفاق الثلاثي الذي رعاه الاسد عام 1986. وحتّى دخوله في الطائف عام 1989، اي طوال معظم سنوات الحرب، مثّل حالة مقاومة ما، أبقت للبنان جيبا خاليا من السلاح الفلسطيني، ومن احتلال جيش الاسد. جيب لا مكان فيه سوى لاعلام تتوسطها الارزة اللبنانية.

لهذه النقطة بالتحديد ينبغي الحذر عند مقاربة تاريخ جعجع في الحرب. لان الانزلاق من ادانة عملية اغتيال مفترضة هنا، أو معركة كان بالامكان تجنّبها هناك، الى ادانة الخطّ السياسي العام الذي مثّله جعجع، سهل. ولان المستهدف، من خلال جعجع، هي القوّات، ومن خلال القوّات، ذلك الـ Irredentism اللبناني الذي شكّل قاعدة للوطنية عندنا، صلبة ومقاتلة.

نحسم، أوّلا، صراع الافكار مع “حزب اللّه”، ومع كلّ من أراد ويريد عندنا اعلاء القضايا والهويات الاقليمية على الشأن اللبناني، ونتفقّ، أوّلا، على أن الخطوط العامّة لفريق جعجع في الحرب كانت مصيبة، وبعدها – بعدها فقط – نحاكمه أخلاقيّا، بعد أن حاكمه الاحتلال قضائيا. أحرّر “العبيد” أوّلا، وأمحو ثقافة الكلو كلاكس كلان عن الخارطة، وبعدها أحاسب لنكولن على أمر أعطاه هنا، أو خطأ ارتكبه هناك. أمّا أن أتربّص للنكولن في خضمّ اشتباكه مع ملّاكي الرقيق، وأطلق النار عليه، فلا. لا.

المصدر:
lebtime

خبر عاجل