سأسمح لنفسي اليوم في التوجه الى المسيحيين حصرياً، لأن الموضوع أصبح يُشكل خطراً كبيراً عليهم، وبالتالي على لبنان الذي نعرفه.
لقد مرت علينا سنين حرب قاسية كانت تهدف الى استئصالنا من هذه الأرض، وبالرغم من كل القوى التي اجتمعت من كل الأقطار، صمدنا وواجهنا مليشيات وجيوش عدّة… وبقينا رغم كل شيء.
يقولون أن “دود الجبن منه وفيه”. وهذا بالفعل السبب الرئيسي لكسر ظهر المسيحيين في لبنان. فبالرغم من قساوة الحروب والمعارك التي خُضناها، والتي كانت تشكل في كل مرّة خطراً داهماً على المصير، إلا أن الذي حصل عندما استطاع الأعداء تجنيد مَن كان يُفترض به أن يكون حامي الحمى بوجوده على رأس المؤسسة العسكرية، وضع مصيرنا ومصير وطننا في مهب الريح، جرّاء قلّة الدراية والمعرفة والتقدير الناتج عن الجشع القاتل بالوصول الى السُلطة.
الشعارات الرنّانة التي أُطلقت في تلك الفترة، وكان الجميع يأمل في تحقيق ولو جزء صغير منها، كانت كفيلة بجذب فئة كبيرة من المحايدين والمستقلين لتأييد مُطلقها ودعمه دعماً لا محدود وغير مشروط. فبررنا ذلك يومها بأن الجميع بحاجة الى بصيص أمل للخروج من الحرب. وربما كان هذا عُذرهم.
ثم حصل ما كان في الحسبان ودمرت مناطق المسيحيين مع ما رافقها من مآسٍ وويلات وهروب ذاك الذي كان يُنظر اليه بأنه مُخلص اللبنانيين. وبدل تقييم المرحلة ومراجعة الخيارات، ظل الجميع مأخوذون بتلك الظاهرة العجيبة الغريبة، يُبررون كل الأفعال والإرتكابات التي حصلت، غير آبهين بالوقائع ورافضين الحقيقة المُرّة.
مرّت السنوات بكل أثقالها وظل هذا الرجل رمزاً للبطولة والشهامة والنظافة في نظر فئة تشكل قسماً لا بأس به من المجتمع.
ثمّ عاد عودة الفاتحين الأبطال باستقبال حاشد قلّ نظيره وحصد أغلبية أصوات المسيحيين في الإنتخابات النيابية. ولم تكد تمرّ بضعة أشهر، حتى بدأت تظهر حقيقته الناصعة، والتي أيضاً وأيضاً، بقي قسم كبير غير آبه بها، باستثناء الـ20% فرق الأصوات بين انتخابات 2005 و 2009، وهي نسبة لا بأس بها بظرف أربع سنين فقط، لكن ذلك ليس كافياً أبداً.
اليوم، وبعد تحالفاته المشبوهة مع سوريا وكل عملائها، وتأييده الكامل للميليشيات وسلاحها بعدما كان يرفض أي سلاح غير شرعي، وسلوكه الغير أخلاقي الذي اتّسم بالعصبية والشتم والكلام البذيء، وبعد أن أصبح مشهوراً بتركيب الأفلام والصور والأخبار الكاذبة، وبعد كل التعطيل في مؤسسات الدولة والكيدية في وزاراته، وبعد ارتكازه على أحكام المحاكم التي قال عنها سابقاً أنها محاكم إحتلال، وأخيراً وليس آخراً، وبعد خنثه بكل الوعود التي قطعها في بكركي بعدم ونكء الجراح ونبش القبور وتكبير الهوّة بين المسيحيين بالإيعاز لنوابه بوضع أسماء الضحايا في صندوق الإقتراع ومن ثم تعطيل نصاب الجلسات اللاحقة…، وكل ذلك بتناقض فاضح لكل الشعارات والمسارات الإصلاحية والتغييرية التي يدّعيها، أصبح من الخطيئة بمكان، الإستمرار في دعم هذا الشخص الذي تسبب وما زال، في خراب مجتمعنا.
أيها المسيحيون، آن الأوان لتبصروا الحقيقة وتشهدوا لها. فنحن أولاً وأخيراً وقبل كل شيء، شهودٌ للحق والحقيقة كما علّمنا ربنا يسوع المسيح، وليس السكوت عنهما كالشيطان الأخرس.
أيها المسيحيون، كفّوا عن النحيب والبكاء على الأطلال والتذمر من الوضع المُتردي اقتصادياً وأمنياً وإجتماعياً، فنحن مسؤولون بالدرجة الأولى عن ما وصلنا اليه، وعلينا إصلاح ما أفسدناه بالإستفادة من نظامنا الذي يُتيح لنا إختيار ممثلينا ومحاسبتهم، وعلينا جميعاً أن نقف وقفة ضمير مصيرية بعقل واعٍ وقلب كبير بعيداً عن الحقد والكراهية، لنستطيع التمييز بين الخير والشر، وعندها فقط يمكننا أن نختار مَن يُجسد تطلعاتنا وطموحاتنا، ونحاسب مَن خذلنا وخيب آمالنا، علّنا نُكفّر عن الذنوب التي إرتكبناها بحقنا… وحقّ وطننا.