
نظّم معهد الليتورجيّا في كليّة العلوم الدينية والمشرقية في جامعة الروح القدس – الكسليك المؤتمر الليتورجيّ الثالث بعنوان: “الصوم والليتورجيّا”، برعاية بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ممثلا في الافتتاح بالنائب البطريركي العام المطران جوزيف معوض. كما حضر الافتتاح رئيس اللجنة البطريركية الليتورجيّة المطران يوسف سويف، النائب العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأب إميل عقيقي، الأبوان المدبران في الرهبانية نعمة الله هاشم وأيوب شهوان، رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ، عميد كليّة العلوم الدينية والمشرقية في الجامعة الأب زياد صقر، وحشد من الآباء والأخوات وأعضاء مجلس الجامعة. وقد امتدت أعمال المؤتمر على مدى يومين.
الافتتاح
الأب صقر
استهل المؤتمر بترنيمة دينية، ثم كانت كلمة لعميد كليّة العلوم الدينية والمشرقية في الجامعة الأب زياد صقر الذي شكر البطريرك الراعي لرعايته هذا المؤتمر ولمحبته لليتورجيّا ولتقديره لمعهد الليتروجّيا.
ثم تطرّق إلى تدرّج معهد الليتورجيّا في معارج التطور عبر سنواته الحافلة بالجنى، لافتا إلى “أنه منذ العام 1969 حتى العام هذا، خمس وأربعون سنة لم يألُ معهد الليتورجيّا خلالها جهدًا لتوفير عمل دؤوب وغوص يؤوب إلى خير الكنيسة والمؤمنين. نهر الأبحاث لم يتوقّف هنيهة عن التدفق ونور المعرفة ما انفك يوما عن الاشعاع على مرمى السنين… تنقيب وتمحيص وغوص في الينابيع وعودة إلى الجذور فجاءت ورشة إصلاح كاملة وشاملة على كل صعيد. ونرانا اليوم نتابع الرحلة الليتورجيّة بالنهج عينه والمسيرة ذاتها”. وأضاف: “موضوع مؤتمرنا الثالث لهذا العام هو الصوم بمفهومه اللاهوتي، بليتورجيّته، بجوهره، بمعانيه وأهدافه. زمن الصوم المقدّس ليس انقطاعا عن الطعام والشراب وحسب بل تكمن أهميته الكبرى ومكانته المميزة كونه احتفالا ليتورجيا في سلسلة الأزمنة الطقسية شرقا وغربا. وبالرغم من تمايز طرقه وليتورجيته وقراءاته وحتى مواعيده يبقى من جهة طريقا يقودنا صوب عيد الفصح المجيد ويحقّق فينا سر اللقاء مع يسوع المسيح القائم من بين الأموات والمنتصر على الموت والخطيئة، ومن جهة أخرى زمنا مقدسا لفهم حقيقة تاريخ الخلاص”.
واختتم الأب صقر كلمته شاكرا الأب الرئيس هادي محفوظ والرعيل الأول قدس الأباتي يوحنا تابت على رعايته باستمرار ما أسس وبنى ومن خلاله لكل الآباء الذين تسلّموا إدارة هذا المعهد، خاصّا منهم الأب عبدو بدوي الذي كان بمثابة الجندي المجهول في تحضير هذا المؤتمر معنا، والأخت مرسيل هدايا.
الأب محفوظ
أما رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ فلفت إلى “أنه قد ازدادت الاختصاصات في الجامعة على مدى السنين، وخطت الجامعة خطوات كبيرة إلى الأمام، في ميادين عديدة. ولكنّ نتاج معهد الليتورجيا الذي أصبح جزءًا من كليّة العلوم الدينيّة والمشرقيّة، ومعهد العلوم الموسيقيّة الذي أضحى كليّة الموسيقى في الجامعة، سوف يبقى في عمق كيانها وهويّتها وطبيعتها، لأنّ الكتب الطقسيّة التي صدرت عن هذين المعهدين، جعلت كنيستنا المارونيّة تتميّز في نقاط عديدة. كم جميل أن يصلّي المؤمنون في الرعايا وفي كنائس الأديار بكتب طقسيّة منظّمة وبواسطة ألحان شعبيّة جماعيّة”. وأضاف: “ويأتي هذا المؤتمر في خطّ التفكير العلميّ الذي اعتمده هذا المعهد، فهو في تواصل مع سلسلة محاضرات قام بها على مرّ السنين، وكم أفرح أن أعلن أنّنا نتهيّأ لعقد مؤتمر دولي، في إطار هذه الكليّة، عن الدراسات السريانية والعربية، في شهر شباط 2015. فتكون هذه الكليّة مؤكّدة، مرّة جديدة، حرصها على الأمانة للتراث الماروني والسرياني والمشرقيّ، وللمقاربة العلميّة له”.
المطران معوض
وفي ختام الافتتاح ألقى ممثل البطريرك الراعي المطران معوض كلمة قال فيها: ” تقوم الجامعة في هذا المؤتمر من خلال الكلية والمعهد المذكورين، برسالة كنسية وثقافية، فإنها تساهم في تنمية وعي الكنيسة على غنى زمن الصوم في السنة الليتورجية، بما فيه من معان لاهوتية ونصوص واحتفالات ورتب. وهذه المساهمة لا شكّ أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقا بالتوجهين المتلازمين والمتكاملين اللذين أكدّ عليها المجمع الماروني في النصّ الثاني عشر عن الليتورجيا وهما العودة الى الأصول والتطور العضوي”. وأضاف: “تكشف العودة الى الأصول والجذور على كنوزنا الليتورجية المشبعة بالتأمل بالتدبير الخلاصي، ومن الاختبارات الروحية، والتي كان لها دورها في تكوين الهوية الثقافية للكنيسة الخاصة بالكنيسة المحلية. ويرمي التطور العضوي الى جمع العناصر الأساسية في هويتنا الليتورجية وصوغها بأسلوب ملائم لعصرنا، فتكون ليتورجية جديدة دون أن تفقد رباطها مع الأصول والجذور. هذا التجدد في الأمانة يصحّ في كل الكنائس ذات الحق الخاص”.
وشدد على “أن زمن الصوم له خصوصيته في السنة الطقسية. فهذه السنة كما جاء في المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور في الليتورجية المقدسة، عدد 102، هي احتفال بذكرى أسرار السيد المسيح أي بالأفعال التي حققت الخلاص للبشر. والاحتفال بهذه الذكرى يجعلنا معاصرين لها، ومتقبلين لمفاعليها. إن زمن الصوم المذكر بأعاجيب السيد المسيح والمرتبط بأسبوع الآلام، يهيئ للاشتراك في السر الفصحي، موت المسيح وقيامته”.
كما أشار إلى أنه “لزمن الصوم بعدان أساسيان: البعد الإستغفاري والبعد العمادي. وهذان البعدان مرتبطان بممارسة تاريخية، ويضفيان على الزمن المعنى الروحي واللاهوتي. فالبعد الاستغفاري متصل تاريخيا بفئة التائبين الذين كانوا يصومون طيلة الصوم، قبل أن يحصلوا على المصالحة من الأسقف نهار خميس الأسرار صباحًا. ومع التائبين، كانت ممارسة التوبة استعدادا للاحتفال الفصحي، متّبعة من قبل جماعة المؤمنين في الكنيسة. وفي هذا المجال، إن أعمال التوبة ومنها الصوم تساعد على المشاركة في موت المسيح وقيامته. لقد أعطى بعض الليتورجيين لهذه الأعمال والممارسات قيمة ليتورجية عندما تكون مقامة من قبل الكنيسة كلها على رأس الخادم المقدس. وبرغاميني يؤكد أن ” الأعمال الإستغفارية” هي العلاقة على المشاركة في سر المسيح الذي من أجلنا، جعل من نفسه تائبًا عبر الصوم في البرية. والكنيسة تعي، في بدء مسيرة الصوم، أن الرب نفسه يعطي فعالية لتوبة مؤمنيها، لذلك تكتسب هذه التوبة قيمة الفعل الليتورجي، أي أنها فعل المسيح وكنيسته. أما البعد العمادي فمرتبط تاريخيًا بفئة الموعوظين الذين كانوا يتابعون التنشئة حول الإيمان خلال الصوم، ويعمّدون ليلة عيد القيامة. إن البعد العماري يهيئ للمشاركة في السر الفصحي، فيتجدد المؤمنون، مع موت المسيح وقيامته، بعبورهم من الإنسان العتيق إلى الإنسان الجديد… “
مداخلات اليوم الأول
ثم كانت مداخلات عن الصوم لنخبة من المحاضرين. فتحدث الأباتي يوحنّا تابت عن “الفاتيكان السرياني 235 (6/1425 م) : أقدم صوم ماروني”، وتطرّق المطران يوسف سويف الى رتبة “الأقداس السابق تقديسها” وعلاقتها بالصوم، فيما تناول الأب مخول فرحة “الصوم في الطقس اللاتيني”، وركّو الأب عبدو بدوي على “إيقونوغرافيا العجائب في الصوم الأربعين” وتحدث الأب نجم شهوان عن “مخطوطات الكنيسة المارونية”، وتطرق الأب أنطوان ناصيف إلى “تكريم الصليب في منتصف الصوم حسب الطقس السرياني الأنطاكي”، واختتم اليوم الأول من المؤتمر بمداخلة للأب فارتان كيرياقوس كازانجيان عن “الصوم في الطقس الأرمني”.
اليوم الثاني
هذا وتخلل اليوم الثاني من المؤتمر مداخلات لكل من الأباتي الياس خليفة عن “لاهوت الصوم من خلال النصوص الليتورجيّة وآباء الكنيسة الشرقيّين”، والأرشمندريت ايلي معلوف عن “الصوم في الطقس البيزنطي”، والأب هاني مطر عن “صوم نينوى”، والخوري خليل الحايك عن “رتبة مدخل الصوم في الطقوس المشرقية”، والأخت مارسيل هدايا عن “الصوم في الطقس الماروني: وثائق ومجامع”. وفي الختام عرض الأباتي الياس خليفة لخلاصة المؤتمر.