… ودمت لنا صديقا!

بالاذن منك دكتور دعني أقول، رسالة اليك صديقي سمير جعجع…

تحية وبعد، كما تقضي أصول المراسلات، وان كنتُ قررت بيني وفخامتي أن أرفع الكلفة بيننا…

منذ اعلان ترشّحك للرئاسة لم أكتب اليك بلغة القلب، انما بما تقتضيه أمور السياسة، وبطبيعة الحال، بما يقتضيه الموقف من ردود على الهجومات السخيفة العنيفة المبرمجة عليك. اليوم دخلت في هدوء عاجل، صار الهدوء عندنا خبرعاجل، جلست أشاهد لقاءك والطلاب في معراب. كل ما سبق ذاك اللقاء شيء، وذاك اللقاء شيء آخر. عندما يصعد زعيم سياسي الى منبر ليعلن ترشّحه للرئاسة، ترى فيه رجل السياسة المعتّق، صاحب الخبرة الطويلة والحنكة اللازمة، والقناعات الثابتة التي أوصلته الى مرحلة لا تراجع فيها، في جرأة حمل كل ما يملك من قدرات، ليضعها بخدمة الجمهورية. وعندما يعلن زعيم سياسي برنامجه الرئاسي، ترى فيه عصارة أفكاره وصورة مصغّرة عن الوطن الذي يريده ويحلم به، ما يعني نرى في الزعيم الرجل المسؤول وجمهورية الحلم المفترضة، اما عندما يصعد الى منبر، زعيم معتّق بالنضال ثابت القناعات مرشّح الى الجمهورية، ويتحوّل بطلّة الى طالب، أب، أخ، صديق، مناصر، رفيق… ويتماهى حتى الذوبان مع شباب متفجّر حضورا فكرا قناعة طموحات حماسة، ويتحدّث اليهم كأنه يخاطب حاله في المرآة، يبتسم لهم بحنان، يتكلم فيهم بلغة القلب والعنفوان، يحادثهم من موقع الاكبر سنا والاكثر تجربة وليس من موقع “الواعظ” المتشدد المحذّر، حينذاك أسمح لنفسي أن أخاطب سمير جعجع وأقول له “يا صديقي”.

يا صديقي أخذتنا الى عالم شفاف كقلب أم، رقراق كدموع الايمان، مرهف كمسحة الحزن، مغتبط كشيطنة طفل، قريب كدقّة القلب، صاخب كخبطة العنفوان. خلف المنبر وانت تخاطب الطلاب ويخاطبونك، رأيت ما لم تسمح لي عجقة المواقف أن أراه بوضوح كما في تلك اللحظة، أو لعلها عجقتي الشخصية حين أؤخذ بما أراه، وتأخذني التفاصيل الكبيرة، فأسهو عن ذاك العمق السحيق في الرجل “صديقي” ما غيره. بحثت عن المسافات فلم أجدها، طوى سمير جعجع ما يفرّقه عمن يحب، فعلا يحب، وعمن يرى فيهم كل بكرا، الطلاب. لم تكن أعمار هؤلاء تتجاوز الخامسة والعشرين، لكنه كان يجايلهم، كان مثلهم ذات عمر وأحلامهم من أحلامه، لذلك هو سكن بعضا منها، أحلامهم، هو يلتقطها يتلقفها يضعها أيقونة في ضميره ولاجلها يناضل، هم حلم لبنان، هم كل لبنان ولبنان يسكنه، صاروا اذن واحد.

قال لهم “وصية أخيرة بتمنّى تحفظوها، ابعدوا عن المخدرات وكل شي بيأذيكن” وكأنه بمعنى آخر يقول “يا ابني دخلك انتبه ع حالك وابعود عن ولاد الحرام”، هكذا رأيته، دخل الى تفاصيلهم وكأنه يعيش معهم في البيت الواحد، يعيش الخوف عليهم لذلك يحدثهم بلغة الحنان، الا يقولون مع الحنان الخوف؟

صعد الى منبرهم وهو ليس هو وحده، انما آلاف المناضلين في 14 آذار، وعشرات الشهداء في ثورة الارز، لم يحتكر اللحظة بحضوره، جعل من الكل حضورا مدويا في رجل، فعانقته المساحة التي ضمت كل تلك القلوب الثائرة. عندما ابتسمت لهم يا صديقي وانت تخبرهم عن بيار أمين الجميل، ناقلا شعاره “بتحب لبنان حب صناعتو”، ظننت لوهلة ان بيار ابنك او أخيك الاصغر، تحكي عنه وكأنك تحكي عن حالك بكل فخر، وعندما ابتسمت بشيطنة مرة اخرى لتخبرهم انهم “رح يجنّوا منّا”، ظننت اننا في جلسة عائلية نتسامر والقمر رفيقنا، هذه هي الحال، كانت الجلسة عائلية، صاحب البيت وأولاده واخوته والجد والجدة والاحفاد. ولما رفعتَ نبرة الصوت لتأخذهم الى حيث المنبع والمصب، الجمهورية، لتؤكد لهم أن الرئيس لن يكون الا صنع في لبنان واننا “من هون مش رح نفل وهون بدنا نعيش وبهالارض بدنا نموت”… عدت واستفقت من وهج اللحظة، وتنبهت الى انك زعيم حقيقي، ليس بـ “بريستيج” المنابر، ولا هالة الحرّاس الشخصيين، ولا زعيق الخطابات النارية، ولا التصفيق للتصفيق، لكن لان الزعيم هو من يجعلنا نشعر انه حين نخاف نجد من يعيد الينا كرامة القوة، وحين نضعف لا يجعلنا نخجل بانسانيتنا، وحين تهزمنا الايام يمشي أمامنا رأسه مرفوع معلنا مواصلة النضال، وحين نخطىء يملك كل الجرأة لمحاسبتنا بالعدل من دون تزلّف ولا حساب لصناديق الاقتراع،  وعندما نحيد عن التزامنا الوطني الاخلاقي يملك كل الحسم والقوة لطردنا…

صديقي سمير جعجع، تحية وبعد، وقبل أن أعود واناديك رسميا “دكتور جعجع”، ما عدت أكترث إن أتيت رئيسا للبلاد أم لا، تعبت من الاحلام المهدورة، لكن يبدو ان العذراء مريم منحتني، على المستوى الشخصي على الاقل، هبة لا تُقدر الا بحجم الانسانية، أن اعاصر بزمني رجلا من طرازك الاستثنائي، لا لشيء الا لأنك ورغم الجحيم الذي يحاصرك، جمعت ذاك الشيء النادر بين الكثير من الناس، كرامة كرامة غير اعتيادية في شخص لا يحرّكه الا الايمان الصافي وتلك القدرة المخيفة على المواجهة والتسامح…ودمت لنا …صديقا…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل