#adsense

معركة النصاب

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة”: إنها معركة مفتوحة. حرب في جولات كثيرة من أجل استعادة الجمهورية والرئاسة وفتح الطريق إلى قصر بعبدا في عملية انتخاب ديمقراطية لبنانية. لقد مهّد ترشيح الدكتور سمير جعجع الطريق نحو فتح المجال أمام ممارسة راقية في العمل السياسي ولكن هناك من يقفله بالتعطيل من دون أي اعتبار لمقام الرئاسة وللتمثيل المسيحي في السلطة. لذلك يبدو أن محور المعركة يرتسم اليوم عند بوابة مجلس النواب، فإما يكون المجلس ساحة للتغيير والإنتخاب أو يكون ساحة للتعطيل. عند تلك البوابة السوداء سيرتسم الحد الفاصل بين طرفين: واحد يريد تحرير لبنان من منطق القوة والسلاح وآخر يريد مصادرة الديمقراطية بقوة السلاح.

عندما ترشح رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع كان يدرك أنه يخوض حربا شاملة لا معركة رئاسة جمهورية فقط. وكان يدرك منذ فكر بالترشح أن اللعبة لا تحسم بالضربة القاضية وتسير خطوة خطوة.

خطوة خطوة سارت مسألة الترشيح. كانت مجرد فكرة في البداية وتم بحثها على عدة مستويات قبل أكثر من سنة. فمن يعرف سمير جعجع يدرك أنه يرسم طريقه جيدا ويستبق التطورات. لذلك لا يمكن اعتبار ترشحه ابن اللحظة التي ولد فيها بل جاء ضمن سياق المواجهة الشاملة في لبنان المستمرة منذ العام 2004 تاريخ صدور القرار 1559 الذي رفض التمديد للرئيس الأسبق العماد أميل لحود وطلب سحب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح «حزب الله». معركة التمديد للرئيس لحود لا تنفصل عن معركة انتخاب خلف للرئيس ميشال سليمان. وكما عطل المحور الإيراني السوري انتخاب رئيس في العام 2004 ومدّد للحود يحاول اليوم أن يعطل انتخاب رئيس جديد. هذا المحور لا يزال يريد إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل العام 2004 ولذلك لم يتأخر في الإنقلاب على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في 7 أيار 2008 وفي منع انتخاب خلف للرئيس لحود والذهاب إلى الفراغ في معركة مفتوحة تمتد من ساحة النجمة في بيروت إلى مقر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في لاهاي.

يعرف الطرف الآخر أن فريق 14 آذار يمكنه أن يؤمن الأكثرية المطلقة من أجل إيصال الرئيس الذي يريده إلى قصر بعبدا ولذلك حاول تعطيل العملية الإنتخابية من البداية. ليست المرة الأولى التي يفعل فيها هذا الأمر. ففي 23 تشرين الثاني 2007 ترك القصر من دون رئيس وكانت الأكثرية النيابية مع 14 آذار. وفي هذه المرة لا يغيّر القاعدة.

لذلك تعاطى منذ البداية وكأن ترشيح الدكتور جعجع ليس جديا ولن يكتمل. ولكن في المقابل كان هذا الترشيح يذهب في الإتجاه الصحيح وخطوة خطوة أيضا: من حزب «القوات» إلى المستقلين إلى «تيار المستقبل» إلى 14 آذار مجتمعة، كان القرار موحّدا وبات الترشيح أمرا واقعا.

في المقابل، ماذا فعل فريق 8 آذار وبالتحديد العماد ميشال عون و«حزب الله»؟ ترك الحزب للعماد عون أن يجرّب حظه مع طرح نفسه مرشحا توافقيا على قاعدة أنه يمكنه أن يكون جسر الوصل بين الحزب وبين الرئيس سعد الحريري. الحزب لم يكن في وضع مريح. يقاتل في سوريا وينتقل من معركة إلى أخرى ويشيّع قتلاه في أماكن كثيرة ويفشل في احتواء موجة العمليات الإنتحارية في قلب مناطقه. وعون يريد أن يثبت أنه بإمكانه خرق اصطفاف 14 آذار. لذلك كان اللقاء الأول بين عون والرئيس سعد الحريري. لم يعط الرئيس الحريري وعدا قاطعا لعون بل ترك اللعبة مفتوحة مما أوحى لرئيس «التيار الوطني الحر» أنه حقق اختراقا. من هنا ولدت حكومة الرئيس تمام سلام. ومن هنا يمكن فهم طريقة تعاطي الوزير جبران باسيل مع موضوع البيان الوزاري في ما خص ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، وشيّعت أوساط التيار أن التفاهم مع «المستقبل» يوشك على الولادة وأن قصر بعبدا سيفتح أمام الجنرال. ولكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر.

في المقابل كان ترشيح الدكتور سمير جعجع يتقدم نحو الحسم والإجماع. لذلك ذهب العماد عون و«حزب الله» وفريق 8 آذار إلى جلسة 23 نيسان بنيّة التعطيل. لم يأبه عون لما تم الإتفاق عليه في بكركي لجهة تأمين النصاب الإنتخابي مهما كانت ظروف المعركة الإنتخابية ليظهر لاحقا أن عون لا يهمه إلا عون وأنه يمكنه أن يلعب لعبة التعطيل من دون أن يرف له جفن ومن دون أن يحسب حساب ارتداد نكسه بتعهداته عليه. كان لا يزال ينتظر أن يفتح له الرئيس سعد الحريري بوابة القصر الجمهوري، ولكن بعد لقاء الحريري وباسيل في باريس يوم الثلاثاء 29 نيسان في باريس قبل يوم واحد من الجلسة الإنتخابية الثانية أدرك باسيل أن بوابة القصر مقفلة، فقرر عون إقفال بوابة مجلس النواب على قاعدة أنا أو لا أحد.

لقد ربحت «القوات اللبنانية» وقوى 14 آذار الجولة الأولى في 23 نيسان وربحت الجولة الثانية في 30 نيسان وتتجه إلى ربح الجولات الجديدة. ضخامة المعركة واحتمالات الربح يمكن قراءتها في طريقة التعاطي مع المعركة الرئاسية ومع ترشيح الدكتور سمير جعجع. المواقف السياسية والإعلامية لفريق 8 آذار تتعاطى مع المسألة كأن فوز الدكتور جعجع بالرئاسة مسألة نصاب فقط، وهذا هو الواقع ولذلك ذهب هذا الفريق إلى تعطيل النصاب ومنع الإنتخاب على رغم أن ظروف المعركة ليست متكافئة: فقوى 8 آذار تستند إلى المحور السوري الإيراني الناشط من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان بينما قوى 14 آذار تقاتل وحيدة في وقت ينشغل العالم بالحرب الواقعة في سوريا وبالحرب الممكن أن تقع في أوكرانيا. قوى 14 آذار منذ العام 2004 تقاتل باللحم الحي وهدفها اليوم ليس معركة الرئاسة من أجل الرئاسة فقط بل من أجل اللعبة الديمقراطية ومن أجل العملية الإنتخابية كلها وإرساء منهج جديد في رسم المسار العام لاستعادة دور الرئاسة ودور لبنان الدولة والمؤسسات.

الدكتور سمير جعجع وقوى 14 آذار كانوا يعرفون أن الجولة الأولى لن تكون حاسمة ولذلك لم يكن هناك شد على الآخر في عملية الإقتراع وتركت الحرية الشخصية لعدد من النواب في الإقتراع كما يريدون. ويدركون أيضا أن معركة لبنان طويلة ولا يمكن لأي طرف أن يربحها بالضربة القاضية. «حزب الله» في 7 أيار كان يريد أن يربح بالضربة القاضية ولكن أين صار اليوم بعد 8 أعوام على 7 أيار؟ وحاول أن يكرر الضربة القاضية عندما أسقط حكومة الرئيس سعد الحريري وشكل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ولكن أين أصبحت هذه الحكومة؟ لقد أثبتت فشلها وسقطت لوحدها فعاد «حزب الله» إلى الدفاع عبر منع تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام لمدة 11 شهرا.

ثمة رأي عام يتغيّر لصالح قوى 14 آذار نتيجة جولات المعركة الإنتخابية. سقط فريق 8 آذار في لعبة الشتائم بينما كان عليه أن يذهب إلى لعبة التصويت. صحافيون كانوا محايدين دخلوا على خط الإستنكار. المطران سمير مظلوم استنكر حملة التجريح التي طاولت الدكتور سمير جعجع. لقد حاولوا تحويل المعركة الرئاسية إلى تجريح شخصي ولكن تجربتهم فشلت. في الجولة الثانية كان الدكتور سمير جعجع المرشح الوحيد لقوى 14 آذار. في الجولة الأولى كان الجنرال عون يحلم بأن يؤيده «تيار المستقبل». سقط حلمه قبل موعد الجلسة الثانية ولذلك ضرب بتعهداته في بكركي بعرض الحائط. في الجولة الأولى صوّت بعض نوابه بالأوراق السود وفي الجولة الثانية فرّوا من المعركة وعطلوا النصاب. حاول أن يستثمر كل قدرات الوزير جبران باسيل في وزارة الخارجية من أميركا إلى روسيا وصولا إلى السعودية ولكن أبواب المملكة لم تفتح له فسقط ترشيحه من الحسابات ليبقى مرشح التعطيل في التوقيت العاطل. وحاول أن يساير في موضوع سلسلة الرتب والرواتب ولكن محاولته فشلت في إحداث خرق على جبهة قصر بعبدا. عاد باسيل من جولاته خالي الوفاض وتبخرت آمال العماد عون بإمكانية أن يكون مرشحا. لذلك يخوض معركة منع انتخاب سمير جعجع. إنها أيضا معركة منع قيام الدولة.

في 30 نيسان 2014 كانت الصورة واضحة في ساحة النجمة. انقسمت الساحة ساحتين كما كانت في العام 2005. ساحة الشهداء وساحة رياض الصلح. ساحة مع دولة لبنان الجديد والمحكمة الدولية والرئاسة القوية، وساحة مع دويلة «حزب الله» وضد المحكمة الدولية. والمواجهة واضحة بين من يريد اغتيال الدولة والرئاسة ومن يريد وقف مسلسل الاغتيالات. إنها المعركة الفاصلة هذه المرة عند بوابة المجلس.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل