كلنا متفق على ان ترشح الدكتور سمير جعجع اوصل الاستحقاق الرئاسي الى مستويات عالية من الديمقراطية والحرية والسيادية التي لطالما افتقدها لبنان واللبنانيون على مر زمن الوصاية السورية في لبنان منذ مطلع التسعينات ولغاية 2005. كما ان الكل متفق على ان ترشح جعجع كان بمثابة المفاجأة المدوية لدى فريق “8 اذار” و”حزب الله” تحديداً، حيث لم يكن في حسبانهم ان يحل الاستحقاق الرئاسي ومرشح قوي وسيادي بحجم جعجع يكاد يكون قاب قوسين من الوصول الى قصر بعبدا. وقد لفت تصريح الشيخ نعيم قاسم منذ ايام عندما المح الى وجود هذا الاحتمال ما دفع بـ”الحزب” وحلفائه الى تطيير النصاب لمنع حصول “ما لا تحمد عقباه من مفاجأت غير سارة لهم”.
لكن يبقى ان ثمة ناحية اخرى لا تقل اهمية في تقويم اهم ما حمله ترشح جعجع للرئاسة، نلخصه بالآتي:
اولاً: ان الترشح كشف بوضوح ارتهان فريق من اللبنانيين وتحديداً “8 اذار” و”حزب الله” لماضي الحقد والضغائن الذي زرعه في نفوسهم اسيادهم من النظام الاسدي، بحيث لم يكتفوا بالتبعية السياسية العمياء بل ذهبوا حد التبعية النفسية الحاقدة ضد من كان فريقاً خصماً لهم في ايام الحرب الاهلية. وقد اثبتت التجربة الحالية ان الحرب بالنسبة لهؤلاء لم تنته فصولا بعد، وان اتفاق الطائف لم يكن كافياً لتحقيق المصالحة الوطنية وطي صفحات الماضي التي لم تكن على كل حال مشرفة لاكثرية فريق “8 اذار”. وبالتالي، من المفيد التيقن بصعوبة بناء مستقبل مع فريق يرفض الخروج من الماضي وهو غارق في احقاده حد استعداده لنسف السلم الاهلي والدستور والمؤسسات والتعدي على الكرامات وضرب الامن والاستقرار في البلاد لا لشيء الا لمنع خصوم الامس من الوصول ديمقراطياً الى السلطة.
ثانياً: ان الترشح كشف بوضوح وجلاء صعوبة لا بل استحالة بناء وطن بين فريقين لبنانيين يمثلان تيارين فكريين متناقضين تمام التناقض كخطين متوازيين لا يلتقيان. فالحقيقة ان الاصطفاف الحالي بين “8 و14 اذار” ليس اصطفافاً سياسياً عادياً كما يحلو لبعض الغوغاء تصويره للتبسيط والاستسهال والمهاترة، بل هو اصطفاف يعكس انقسام اللبنانيين العميق في الفكر والنظرة الى لبنان دوراً وتاريخاً وحاضراً ومستقبلاً.
فقد التقى يوماً من طرح على اللبنانيين الخيار بين هونغ كونغ وهانوي، والحقيقة ان ثمة خياراً على اللبنانيين – كل اللبنانيين – بدأ من الشعب قبل القيادات ان يحسموه اليوم بأن يختاروا بين لبنان التابع دائماً لمحاور المواجهة الاقليمية والدولية الفاقد لسيادته وقراره الحر والمستقل وبين لبنان السيد الحر والمستقل ذات السيادة الناجزة والمنفتح على العالم ورسالة حضارة وتعايش وتلاقي بين الحضارات والاديان حيث الديمقراطية وحكم القانون وشرعية المؤسسات هي الوحيدة التي تدير شؤون الدولة وعبادها.
وبالتالي ان ترشيح جعجع يشكل بطبيعة الحال تحدياً صارخا وقاتلاً للفريق الاول الذي اختار الاطاحة بكل شيء حتى بالدستور والمؤسسات والاستحقاقات والثوابت التاريخية للبنان والسلم الاهلي والاستقرار السياسي والامني والدستوري وعلاقات لبنان بالمحيط والعالم وبمصالح لبنان العليا واللبنانيين الحيوية في سبيل ان يبقى جندياً في محور اقليمي ممانع للسلام العالمي وممانع لاعتبار لبنان دولة سيدة حرة ومستقلة. وها هو بالامس يقولها بصراحة مستشار خامنئي يحي صفوي بأن حدود ايران تصل الى الشاطئ اللبناني…
ثالثاً: ان ترشح جعجع للرئاسة اظهر بوضوح غياب الدستور والعمل المؤسساتي في الحياة السياسية والوطنية. فبحجة التوافقية نسفت النصوص. بحجة الميثاقية نسف التداول الطبيعي للسلطات. بحجة التوازنات تنسف ارقى منصب مسيحي للبنان. بحجة الحسابات الاقليمية والدولية تنسف مصالح الوطن وحسابات الوطن في ربحه وخسارته من كل ما يدور حوله من احداث… فالاجتهادات والمواقف المجانية والارتجالية والعشوائية تسود الساحة المحلية… وتطيح بالجلسات تلوى الجسلات الانتخابية مع ان الدستور يلزم نواب الامة بانتخاب رئيس للجمهورية…
فترشيح جعجع اكد الغاية من هذا الترشح بمجرد تظهير حال العفن السياسي والمؤسساتي التي تعاني منه البلاد وتظهير المراهقة السياسية والتهور الجاهل لقوى “8 اذار” الذين اعتادوا التبعية…
فكيف يمكنهم ان يقبلوا ليس بسمير جعجع رئيساً بل بأي مرشح من “14 اذار” ببرنامج سمير جعجع الذي هو بالتالي برنامج “14 اذار” مهما تغيرت الشخصيات المرشحة…
