
وصف رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع ما جرى في الجلسة الثالثة بـ”الانقلاب الكامل على دستورنا وتقاليدنا البرلمانية وتاريخنا السياسي”، مستشهداً بمحطات تاريخية استثنائية شهدها مجلس النواب في العامين 1958 و1970 لانتخاب رئيس للجمهورية الذي تمّ بالرغم من الانقسام الذي كان حاصلاً حينها، وكان أشد حدةً من الوقت الراهن، ولكن لم يتم تعطيل النصاب بل مارس النواب واجبهم الوطني بكل ديمقراطية.
ورأى ان “شعار “التوافق” اضحى بفعل تشويهه وإفراغه من مضمونه الحقيقي، رديفاً للتعطيل والفراغ والتهميش في موقع الرئاسة الأولى، فهذا السلوك الذي تنتهجه بعض قوى 8 آذار ينعكس سلباً على المستوى الوطني ككل، ويُهدد الميثاق الوطني بحدّ ذاته”، لافتاً الى أن “فريق 8 آذار يعتمد معادلة واحدة:”إما رئيس من 8 آذار أو الفراغ”.
وسأل “هل يقبل فريق 8 ىذار بتعميم التوافق على قرار السلم والحرب مثلاً؟ أو على موضوع القتال في سوريا؟ أو على موضوع السلاح غير الشرعي ككل؟ أم على موضوع انتخابات رئاسة المجلس مثلاً؟”
وشدد على “ان عرقلة انتخاب رئيسٍ فعلي للبلاد يُعبّر عن تطلّعات اللبنانيين ويُمثّل المسيحيين في السلطة، يعني حكماً الإتيان برئيسٍ صوري تفرزه الغرف المغلقة والصفقات الخارجية، ممّا يعني تهميش موقع الرئاسة وتقزيم دور الرئيس العتيد، واستطراداً تهميش التمثيل المسيحي داخل السلطة، ممّا سيؤدّي الى خللٍ في الشراكة الوطنية والميثاق الوطني”، مشيراً الى “ان الأمور لن تستقيم في لبنان طالما ان الدولة تفتقر، منذ العام 1990 وحتى اليوم، الى رئيس فعلي للجمهورية”.

واذ لفت الى “ان المسيحيين في لبنان باتوا يشعرون وكأنّ هناك مؤامرةً ما على دورهم في لبنان”، اعتبر “انّ ما يجري اليوم يستكمل ما كانت حقبة الوصاية قد افرزته لجهة إضعاف موقع المسيحيين في التركيبة اللبنانية، من خلال تعطيل جلسات انتخاب الرئيس”.
كلام جعجع جاء خلال مؤتمر صحافي عقده في معراب عقب تأجيل جلسة انتخاب رئيس للجمهورية الى 15 من الجاري بعد عدم تأمين النصاب، فقال :” مرّة جديدةً يجري تعطيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، ممّا يضع الاستحقاق الرئاسي في خطر جدّي. لذلك، لا بد من التوقف عند ما حصل في الجلسات الثلاث الماضية لتحليله ومناقشته.”
وشرح “ان الدستور اللبناني، بتناوله موضوع النصاب في المادة 49 منه، اراد تنظيم عملية إجراء الانتخابات الرئاسية وليس تعطيلها. فالوظيفة الأولى والأساسية للنائب في هذا المجال هي في تمكين حصول الانتخابات الرئاسية وليس العكس.”
واعتبر “ان تغّيب بعض النواب عن حضور جلسات الانتخاب ليس حقاً دستورياً للنائب بالمطلق كما يدّعيه البعض، وإنما هو تدبيرٌ استثنائي يلجأ اليه نواّب الأمّة في ظروفٍ قاهرة واستثنائية تحول دون تمكّنهم من التعبير عن رأيهم بحريّة، كوقوع الدولة، او بعضها، تحت الاحتلال مثلاً. لكن ان يتحوّل هذا الاستثناء الى قاعدةٍ عامة يتم اللجوء اليها في ظروفٍ عادية كالتي نعيشها اليوم، من اجل ممارسة الإبتزاز لفرض انتخاب رئيسٍ مُعيّن، فذلك يُعتبر خرقاً للدستور، وليس حقاً دستورياً.”
واضاف “لقد جاءت الانظمة الداخلية المتعاقبة لمجلس النواب، منذ العام 1930 وحتى اليوم، وآخرها النظام الداخلي الحالي في مواده 44، 61، 62، لتمنع صراحةً تغيّب النائب عن اكثر من جلستين عامتين عاديتين في الدورة النيابية، وكذلك التغيب عن جلسات اللجان البرلمانية، وبالتالي إذا كان هذا هو الحال بالنسبة للجلسات العامة العادية وجلسات اللجان، فكيف بالحري بالنسبة لجلسات انتخابات رئيس للجمهورية، التي تأتي في مقدّمة الاستحقاقات الدستورية، وتُعتبر واجباً اساسياً من واجبات النائب اللبناني”.
واشار الى ان “هذا النهج التعطيلي يُناقض كل التقاليد والأعراف اللبنانية المعمول بها منذ إعلان الميثاق الوطني في العام 1943، حتى في عزّ الخلافات السياسية والإنقسامات العامودية والأفقية التي عرفها لبنان في خمسينات وستينات وسبعينات القرن العشرين”.
وذكّر “ان نواب الأمّة لم يتخلّوا يوماً عن واجباتهم الوطنية تجاه الله والشعب والضمير، مثلما هو حاصلٌ اليوم، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر ان مجلس النواب في العام 1958 كان يُؤيد بغالبيته الرئيس كميل شمعون، ومع ذلك فهو لم يتردد في انتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية على الرغم من خلافات شهاب الحاّدة مع شمعون، فقط لعدم ترك الجمهورية في الفراغ.

ولفت الى ان “مجلس نواب في العام 1970 كان مُنقسماً على ذاته، اكثر من الإنقسام الحاصل اليوم، ولم يكن اي فريق فيه واثقاً من فوز مُرشّحه، تماماً مثلما هو حاصلٌ اليوم ايضاً، ولكن الفارق هو ان نواب العام 1970 لم يُعطّلوا النصاب وإنما حضروا جلسة الانتخاب واقترعوا كلٌّ لمرشّحه، وتمكّن الرئيس سليمان فرنجية من الفوز على منافسه بفارق صوتٍ واحد فقط، تلك كانت الممارسة الديموقراطية الحقّة التي يُفاخر بها لبنان. أمّا ما يجري اليوم، فهو انقلاب كامل على دستورنا وتقاليدنا البرلمانية وتاريخنا السياسي.”
ورأى “ان تعطيل جلسات النصاب اليوم تتمّ تغطيته بشعار ” التوافق”، لكن المعركة السياسية الحقيقية اليوم، لا تدور بين مفهوم “الرئيس التوافقي” ومفهوم “الرئيس غير التوافقي”، وإنما بين منطق العمل الديموقراطي المؤسساتي السليم، ومنطق التعطيل والإبتزاز ، وفقاً لمعادلة: ” إمّا رئيس من 8 آذار أو الفراغ”.
وسأل:”لماذا تمتنع قوى 8 آذار عن إعلان إسم مرشحها الرئاسي حتى هذه اللحظة؟ وافتراضاً ان شعار “التوافق” الذي ترفعه 8 آذار صحيح، فلماذا لم تقترح هذه القوى اسماً او مجموعة اسماءٍ لشخصياتٍ لا تنتمي اليها، من اجل التباحث مع الكتل الأخرى حول حظوظ توافقيتها؟”
وأكّد “انّ قوى 8 آذار لم تعترف يوماً بمنطق التوافق من اساسه، وإلاّ فهل يقبلون بتعميم التوافق على قرار السلم والحرب مثلاً؟ أو على موضوع القتال في سوريا؟ أو على موضوع السلاح غير الشرعي ككل؟ أم على موضوع انتخابات رئاسة المجلس مثلاً؟ لقد اضحى شعار “التوافق”، بفعل تشويهه وإفراغه من مضمونه الحقيقي، رديفاً للتعطيل والفراغ والتهميش في موقع الرئاسة الأولى. فهذا السلوك الذي تنتهجه بعض قوى 8 آذار ينعكس سلباً على المستوى الوطني ككل، ويُهدد الميثاق الوطني بحدّ ذاته.”
واعتبر “ان الشرط الأول من شروط “التوافق” هو حصوله بروح التوافق، لا ان يكون شعار حقّ يُراد به الابتزاز والفرض، امّا إذا كان التوافق غير متوفرٍ لسببٍ او لآخر، كما هي الحال الآن، فالذهاب الى التصويت وتقبّل نتائج الصناديق بكل روحٍ رياضيةٍ، هو الرديف القانوني والشرعي للتوافق، بحسب القواعد المُتبّعة في كل الأنظمة الديموقراطية، ومنها لبنان. وفي مطلق الأحوال، فإن التغيّب عن جلسات النصاب من طرفٍ واحدٍ وتعطيل عمل المؤسسات في لبنان، لا ينّم عن روحٍ “توافقية” أبداً، بل على العكس، فهو ينمّ عن رغبة بفرض مرشّح معيّنٍ دون سواه.”
وشدد على “ان عرقلة انتخاب رئيسٍ فعلي للبلاد يُعبّر عن تطلّعات اللبنانيين ويُمثّل المسيحيين في السلطة، يعني حكماً الإتيان برئيسٍ صوري تفرزه الغرف المغلقة والصفقات الخارجية، ممّا يعني تهميش موقع الرئاسة وتقزيم دور الرئيس العتيد، واستطراداً تهميش التمثيل المسيحي داخل السلطة، ممّا سيؤدّي الى خللٍ في الشراكة الوطنية والميثاق الوطني”، مشيراً الى “ان الأمور لن تستقيم في لبنان طالما ان الدولة تفتقر، منذ العام 1990 وحتى اليوم، الى رئيس فعلي للجمهورية”.
وأكّد “ان الواقع السياسي للمسيحيين في لبنان لن ينحو نحو الأفضل، طالما ان الموقع الأول المُخصص لهم في التركيبة اللبنانية لا يشغله إلاّ رئيس تسوية لا حول له ولا قوة، وليس واحداً من الذين يتوق المسيحيون فعلاً الى انتخابهم، إنّ المسيحيين في لبنان باتوا يشعرون وكأنّ هناك مؤامرةً ما على دورهم في لبنان، من خلال كل ما حدث ويحدث في الانتخابات الرئاسية، مرّةً بحجة النصاب، ومرّةً بحجّة التوافق، في الوقت الذي لم يواجه أي من المواقع الدستورية الأخرى، سوى نادراً جداً، أيّاً من العراقيل أو الإشكاليات التي ترافق كلّ استحقاق رئاسي.”
وقال :”إنّ ما يجري اليوم يستكمل ما كانت حقبة الوصاية قد افرزته لجهة إضعاف موقع المسيحيين في التركيبة اللبنانية، من خلال تعطيل جلسات انتخاب الرئيس، ما يمعن في إبقاء المسيحيين حذرين، قلقين، مترددين في الإنخراط في الدولة. والعجب الأكبر هو ان يحتّل واجهة هؤلاء المعطلين والمتلاعبين، فريقٌ مسيحي!”

وشدد على أن “اهميّة الانتخابات الرئاسية الراهنة، تكمن في انها تحصل للمرّة الأولى منذ انتهاء الحرب في العام 1990. فالانتخابات الرئاسية السابقة لم تكن إلاّ مجرّد تعيينات او صفقات او تسويات خارجية، تأتي لنا برئيسٍ صنع في كل مكان، إلاّ في لبنان، وهذا ما نسعى اليوم الى تلافيه بأي ثمن، حتى نُعيد هذا الاستحقاق استحقاقاً “صنع في لبنان” بالفعل، وحتى نُكرّس هذا النفس الديموقراطي في عمل المؤسسات، وفي كل الاستحقاقات الدستورية التي تلي”.
وحذّر من “ان التلاعب بالاستحقاقات الدستورية، وممارسة الابتزاز والتعطيل، للوصول الى معادلة “امّا مرشّح 8 آذار او الفراغ” لا يمكن ان يبني دولةً حقيقيةً في لبنان، وإنما يُبقي الميثاق الوطني في وضعيةٍ هشّة، ويُشرّع ابواب لبنان امام كل انواع التدخّلات، ويسلب حقّ اللبنانيين في تقرير مصيرهم.”
ووجّه جعجع نداءً الى المرجعيات السياسية اللبنانية، “حتى تدفع بكل قوتها، وبروحٍ من المسؤولية الوطنية، باتجاه إنجاز هذا الإستحقاق الرئاسي بعيداً عن لغة التعطيل والإبتزاز واستجلاب التدخلات الخارجية. كما أتوجّه بنداء حار الى المرجعيات الدينية، مسيحيةٍ واسلاميةٍ ودرزية، وبالأخص الى مرجعيّة بكركي، حتى تطلب من النوّاب المُعطّلين، وفي طليعتهم النواب المسيحيون، ألكّف عن التلاعب بهذا الاستحقاق المصيري، والإلتزام بما تعهدّوا به في بكركي، لجهة عدم التغيّب عن جلسات النصاب، والزامهم معنوياً واخلاقياً بالحضور الى جلسات الانتخاب تحت طائلة تحميلهم مسؤولية تهميش الحضور المسيحي في الدولة مرةً جديدةً، وإبقاء لبنان في المستنقع الذي هو فيه. آن الآوان لكي يُقرّر اللبنانيون مستقبلهم بأيديهم، لا أن يُقرر الغير عنهم”.
ودعا جعجع اللبنانيين بشكلٍ عام، والمسيحيين بشكلٍ خاص “للضغط على النوّاب الذين يمثّلونهم، من اجل الكّف عن استخدام الوكالة الممنوحة لهم من الشعب في وجهةٍ تعطيلية تتناقض ومصالح هذا الشعب، ومن أجل النزول الى المجلس النيابي وانتخاب من يريدونه رئيساً، لكي تستقيم الممارسة الديمقراطية في لبنان ويكون لنا رئيسٌ فعليٌّ، صنع فعلاً في لبنان”.
وعن تصريح المستشار العسكري الايراني بأن حدود ايران هي جنوب لبنان، أجاب جعجع:” ان فريق 8 آذار تقوم بما تقوم به كي تبقى حدود ايران الاستراتيجية العسكرية في البحر المتوسط وعلى مشارف حدود اسرائيل، ولكن اهتماماتنا هي مصالح اللبنانيين قبل أي شيء آخر”.
واذ اعتبر أن ” الفريق الآخر يحاول اجبار تيار المستقبل وكل الفرقاء على الاختيار بين الفراغ او مرشحه”، رفض جعجع “ما يجري من تعطيل للمحاولة للاتيان برئيس طيّع”.
وعن امكانية انسحابه لصالح مرشح آخر من قوى 14 آذار، ردّ جعجع “هل كنت انا المرشح في انتخابات 2008؟ لمَ عطلوا النصاب حينها؟ هذا يظهر ان الفريق الآخر يريد رئيسا كما يريد والا لا انتخابات. وقال:”اعطوني شخصاً واحداً مقبولاً من كل اللبنانيين، ولكن اعتقد ان هذا الأمر مستحيل”، لافتاً الى ان “النائب هنري حلو هو شخص محترم لكن انتخابات الرئاسة لها غير شروط وظروف ومواصفات أخرى، وليقل لنا حلو ان اصبح رئيساً ماذا سيفعل؟ فالبنسبة إلي التسويات لا تنتج شيئاً.”
ورداً على سؤال، انتقد جعجع طرح أو تسمية “المرشح التوافقي”، وقال:”ان النائبين ميشال عون وهنري حلو يقولان انهما توافقيان، لكن نحن نحكم على البرنامج وليس على كيفية تصنيف المرشح لنفسه.”
وتعليقاً على ما قاله العماد عون بعد لقائه الرئيس أمين الجميّل بأن اللقاء سيثمر نتائج إيجابية، أمل جعجع “ان يكون موقف عون المدماك الأول لمرحلة جديدة حقيقية”. وشرح أن “الرئيس الجميّل يقوم بجولات لدق جرس الانذار بعد الاقتراب من انتهاء مهلة انتخاب الرئيس، وهو لا يحمل حلاً معلباً او جاهزاً بل يطرح المشكلة للتفكير بالخروج من أزمة هذا الاستحقاق”.
ورداً على سؤال، دعا جعجع عون الى “إجراءالانتخابات كما جرت عام 1970 اي ان يترشح رسمياً ويقدم برنامجه ونذهب الى المجلس النيابي وفي نهاية المطاف يُنتخب أحدنا ونصل الى رئي،س فهذا هو الطريق السليم الوحيد ماذا والا نكون في 7 ايار جديد يطال المسيحيين سياسياً هذه المرة، بعد أن طال 7 أيار 2008 السنّة والدروز عسكرياً”.
ورأى ان “حزب الله يريد رئيساً يساعده على تحقيق اهدافه لا ليخدم اللبنانيين والمسيحيين او يعبر عن الوجدان التاريخي للبنانيين.”