افتتاحية “المسيرة”: تناغمت مواقف “حزب الله” في الآونة الاخيرة مع مقتضيات السياسة الإيرانية، فخرجت الأصوات القيادية فيه تبشر بـ”الفراغ” الرئاسي، الذي قال عنه يوما أمينه العام “إنه لا يخيفه”، وذلك تزامنا مع تصريح الفريق يحيى رحيم صفوي، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني والمستشار العسكري الحالي للمرشد الإيراني الأعلى، “أن حدود بلاده الحقيقية ليست كما هي عليها الآن، بل تنتهي عند شواطئ البحر الأبيض المتوسط عبر الجنوب اللبناني”.
ربط “حزب الله” لبنان بمشروع إيران في المنطقة، فلم يصدر أي تعليق عن الحزب بشأن تصريحات صفوي، التي تعتبر إنتهاكا صارخا وموثقا للسيادة اللبنانية، كما ربط الاستحقاق الرئاسي ايضا بالمشروع الإيراني، معلنا ترشيح الفراغ.
تزامناً توقفت مصادر سياسية في بيروت عند خطاب الرئيس ميشال سليمان خلال افتتاح المدينة الرياضية في جبيل الأحد الماضي، حين حذر من الفراغ الرئاسي الموصل الى مؤتمر تأسيسي، وهذا أيضًا ما كان بشّرنا به أمين عام “حزب الله”، في حزيران 2012، حين توجّه الى المجتمعين حول طاولة الحوار قائلا: “على طاولة الحوار مناقشة خيار بناء الدولة وتطوير الفكرة إلى عقد مؤتمر تأسيسي وطني عنوانه بناء الدولة”، موضحا “أنه يمكن انتخاب المؤتمر على أساس تركيبة الشرائح الوطنية وليس على أساس طائفي أو مناطقي”.
المصادر تشير الى أن “حزب الله” يعمل على إيصال البلاد الى الفراغ الرئاسي متناغمًا مع “التيار العوني”، و”الحزب السوري القومي الاجتماعي”، و”حزب البعث”، من خلال تعطيل نصاب جلسات الانتخاب، مشيرة الى أن المعطلين هم الذين رفضوا، كل من جهته، إتفاق الطائف، وتاليًا هم ينتهجون سياسة حافة الهاوية من خلال الفراغ الرئاسي من جهة، والدعوة الى المؤتمر التأسيسي بعد استفحال ضرر الفراغ، من جهة ثانية، كمدخل وحيد لإخراج البلاد من الأزمة التي يجرونها إليها.
وتشير أيضًا الى أن “حزب الله” يعد العدة لمرحلة ما بعد سوريا، وهو مدرك انه سيعود من سوريا خاسرًا أيًا تكن النتائج التي سيؤول إليها النزاع السوري، فلا يمكن لـ”حزب الله” أن يحقق مكاسب في سوريا أيًا يكن شكل النظام الذي سيعقب نظام “البعث”، طال الوقت أم قصر، وأن رأس “حزب الله” كما رأس النظام السوري، موضوعان على طاولة التفاوض، وأن إيران هي التي تقرر مصيرهما معا، وتاليًا، فإن الحزب يريد أن يقبض داخليا ثمن مشاركته في القتال في سوريا، من خلال الدعوة الى مؤتمر تأسيسي، عنوانه المثالثة بدل المناصفة، وفي يقينه أن بإمكانه أن يحصد مكاسب للطائفة الشيعية على حساب الطوائف الأخرى، قبل أن يصبح الحزب وسلاحه على بساط البحث.
وما فات “حزب الله”، أن أيًا من المكوّنات اللبنانية، التي ارتضت اتفاق الطائف، ميثاقا نهائيا للعيش المشترك في لبنان، ليست على استعداد للتنازل عن أي من حقوقها، وأن الدعوة الى مؤتمر تأسيسي تحمل في طياتها دعوة مبطنة الى حرب أهلية جديدة.
وما هو مستغرب، في هذه الحمأة السياسية هو موقف “التيار العوني”، زعيمًا ونوابًا وأنصارًا، من إمعان “حزب الله” في تعطيل الدولة ومؤسساتها، فإذا كان “حزب الله” يسعى الى استعمال سلاحه وخياراته العسكرية لتحقيق غلبة للطائفة الشيعية على سائر المكوّنات اللبنانية، فهل هذا ما يريده “التيار العوني”؟
وهل رَفَض الجنرال عون اتفاق الطائف لأنه ينتقص من صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، أم لأن الطائف لم ينتخبه رئيسا؟
فهل يخرج “عونيّ” واحد من غيببوته ويعلي المصلحة الوطنية على مصالح الجنرال الخاصة؟