البطريرك صفير تحصن في بكركي وجعل منها مساحة الحرية في لبنان وبدأ يقاوم عهد الوصاية منذ اغتيال الرئيس رينيه معوض والإنقلاب على الطائف
منذ تولى البطريرك الراعي سدة البطريركية رسم طريقه.. كان يعرف أنه يكمل ما بدأه البطريرك صفير ولا سيما أنه كان جزءا من سلطة القرار في مجلس المطارنة الموارنة
البطريرك يَتَّهِم ولا يُتَّهَم. طريق بكركي تمر في القدس وفي ساحة النجمة أيضا.. إنها حدود لبنان وليست حدود إيران
ليس هكذا تعامل بكركي. ليس البطريرك الراعي هو المقصود بالحملة التي تشن عليه. المسألة أبعد من ذلك. أبعد من البطريرك ومن اسمه ومن مواقفه. إنها تتعلق بالخيارات المسيحية وبالحضور المسيحي في الدولة وفي القرارات المصيرية التي يتعلق عليها مصير لبنان. هناك من يعتقد أن بكركي كما رئاسة الجمهورية مجرد تفاصيل في الحياة السياسية في لبنان وأن البطريرك والرئيس مجرد أسماء لا مواقع يمكن أن تملى عليهما المواقف والإرشادات كأن قرار تعيينهما يأتي من الباب العالي، وهناك أكثر من طرف يعتقد أنه الباب العالي الجديد في لبنان. حتى أيام الباب العالي الحقيقي كانت بكركي الباب العالي للبنان.
انتهى عهد الوصاية ولكن هناك من يعتبر أنه وريث هذا العهد ولا يستطيع أن يرى رئيسا قويا للجمهورية في بعبدا ولا بطريركا قويا في بكركي. يعرف البطريرك الراعي كل ذلك ومن هنا يمكن فهم رد فعله على الذين ينتقدون مواقفه. يعرف أنه ليس هو الهدف ولكنه هو في الواجهة اليوم. قبله كان البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وبعده يمكن أن يكون أي بطريرك آخر ولكن بكركي تظل بكركي والذين يتطاولون على البطريرك إنما يستهدفون دور البطريركية بغض النظر عن الإسم.
لقد خوّنوا البطريرك صفير واتهموه لأنه كان ضمير الجمهورية وفارس الكلمة الحرة الذي لا يلين. ولكن ماذا فعل البطريرك صفير؟ أخرج البطريرك صفير لبنان من الحرب إلى اتفاق الطائف وبنى مع الدكتور سمير جعجع مرحلة العبور الى السلام، بينما كانت المناطق الشرقية تتحطم في ظل حربين شنهما العماد ميشال عون: حرب التحرير وحرب الإلغاء. اعتقدوا أن البطريرك يعلن الإستسلام وأنها اللحظة المناسبة للإنقضاض على ما سماه البعض “الطائفة العظمى” بعدما اعتقد أنها سقطت بعد سقوط قصر بعبدا وأن سقوطها سيكون عظيما ولا قيامة لها من بعده، وأن تاريخًا انطوى كانت فيه بكركي عنوان لبنان وأن لبنان ما بعد هذا السقوط لن يكون كلبنان بكركي الذي أرسى وجوده البطريرك الياس الحويك في زمن ولادة الدول في الشرق الأوسط. هذا البعض ظل ينظر وكأن لبنان لم يكن يجب أن يكون وأنه وليد الإستعمار بينما أرادته بكركي واحة للحرية ووطنا لجميع أبنائه.
ماذا فعل البطريرك صفير؟ تحصن في بكركي وجعل منها مساحة الحرية في لبنان وبدأ يقاوم عهد الوصاية منذ اغتيال الرئيس رينيه معوض والإنقلاب على الطائف. كان الصوت الصارخ في ظل اعتقال الدكتور سمير جعجع ونفي العماد ميشال عون. عرف مباشرة أن تفجير كنيسة سيدة النجاة مؤامرة على المسيحيين ولذلك حمل لواء الدفاع عن المسيحيين المضطهدين والمتهمين بالتفجير وظل يقاوم على طريقته، وبينما أراد البعض أن ينبت العشب على طريق بكركي فتح هذا الطريق إلى حرية جديدة للبنان. استقبل البابا يوحنا بولس الثاني، وأطلق نداء بكركي في العام 2000 وطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان، وأسقط حواجز الحرب النفسية واجتاز طريق المصالحة إلى الجبل والتقى وليد جنبلاط في محور كان رفيق الحريري قاعدته الثالثة، ورعى لقاء قرنة شهوان الذي فتح الطريق نحو مصالحة وطنية أوسع. كل ذلك أوصل إلى انتفاضة الإستقلال الثاني وإلى ثورة الأرز. ولذلك كان البطريرك صفير هدفا للتخوين والحملات. ومع ذلك ظل يقول بحرية لبنان وبسيادته وبأن لا سلاح إلا سلاح الجيش اللبناني. كان يعلن مواقفه ويخلد إلى صمته وإلى كنيسته الصغيرة ويصلي.
ماذا فعل الرئيس ميشال سليمان؟ عندما أعلن أن المطلوب أن تكون الدولة مسؤولة عن استراتيجة للدفاع عن لبنان قامت القيامة عليه. وعندما قال إن معادلة الجيش والشعب والمقاومة خشبية وبات من الواجب اجتيازها إلى معادلة الجيش والشعب والمؤسسات تم تخوينه. كانوا يعتقدون أن قصر بعبدا سقط وأن رئاسة الجمهورية سقطت وأن ميشال سليمان يتخطى الخطوط الحمر ولذلك طالبوه بالرحيل. المسألة بسيطة، إنهم لا يريدون لا رئيسا قويا للجمهورية ولا بطريركا قويا في بكركي. يعتقدون أن المسيحيين في لبنان صاروا من الماضي وأن درع التثبيت في رئاسة الجمهورية وفي البطريركية يأتي من دمشق أو من الباب العالي الجديد. ولذلك يمنعون اليوم انتخاب رئيس للجمهورية.
ماذا فعل البطريرك الراعي؟
في 24 نيسان بعد يوم على جلسة الإنتخاب الأولى ذهب إلى الرئيس نبيه بري في عين التينة واعتبر “أن جلسة الأمس كانت سوداء وأن النائب موكل من الشعب لانتخاب رئيس والوكالة ليست ملكا خاصا وعلى الجميع الحضور وعدم كسر النصاب ولا داعي لدعوة النواب إلى الحضور الجلسة فهذا واجبهم الضميري”.
قال البطريرك كلمته وغادر إلى روما للمشاركة في حفل إعلان قداسة البابوين يوحنا الثالث والعشرين ويوحنا بولس الثاني. عندما كان يترأس الصلاة في كنيسة سيدة لورد في باريس قامت القيامة عليه لأنه قرّر أن يذهب إلى الأراضي المقدسة. كانوا يعتبرون أنه البطريرك الرائع الذي انقلب على عهد البطريرك صفير وأنه بطريرك 8 آذار ولكن المسألة لم تكن كذلك. فاجأهم البطريرك الراعي. وبدل أن يتهموه جاءهم الرد منه وكأنه يقول لهم: “أنا أتّهِم”.
منذ تولى البطريرك الراعي سدة البطريركية رسم طريقه. كان يعرف أنه يكمل ما بدأه البطريرك صفير ولا سيما أنه كان جزءا من سلطة القرار في مجلس المطارنة الموارنة. في ذاكرته صور الإعتداء على البطريرك صفير في بكركي. وفي سجله أنه هو من هدّد بإعلان الحرم الكنسي على كل من يتهم البطريرك صفير ويُجرّح به بعدما تطاول كثيرون عليه. في مثل هذه المسائل لا فصل بين البطريرك والبطريركية.
ماذا فعل البطريرك الراعي أيضا؟ جمع الأقطاب الموارنة الأربعة وهم لم يجتمعوا من قبل. ثمة تفاهم تم في بكركي حول موضوع الإنتخابات الرئاسية يعتبر الرجوع عنه خيانة. لقد تم التعهّد أمام البطريرك بتأمين نصاب الجلسات. لا مفر من الإنتخاب وبكركي ضد الفراغ وليكن رئيس عبر الديمقراطية وليفز من يحصل على الأكثرية المطلقة. النصاب أولا والإنتخاب ثانيا. ولكن ماذا حصل؟ عطلوا الديمقراطية والنصاب وطيّروا الإنتخاب وهم يطيّرون الرئاسة والجمهورية والحضور المسيحي في الدولة. هذا هو التحدي اليوم. فهل يخوض البطريرك الراعي المعركة الرئاسية حتى النهاية؟
لنتصوّر مثلا هذا السيناريو. إذا كانت زيارة الرئيس بري في عين التينة ضرورية لشكره على الدعوة إلى جلسات الإنتخاب فهل تكون زيارة مجلس النواب واجبة من أجل تأمين النصاب؟ هل ينزل البطريرك الراعي إلى ساحة النجمة ليشارك في جلسة الإنتخاب وهل يفرض بحضوره تأمين النصاب؟ وفي حال فعل هل تبقى مبرّرات أمام المعترضين حتى يعطلوا النصاب؟ فليكن الإقتراع أمام سيّد الصرح وبحضوره. ربما بهذه الطريقة يمكن إنقاذ الجمهورية. ثمة زيارة إلى الأراضي المقدسة وثمة مهمة مقدّسة في لبنان. ثمة رعايا موارنة هناك تجب زيارتهم وثمة رعايا هنا تجب رعايتهم. أكثر من ذلك. هل يستطيع البطريرك أن يعتصم في مجلس النواب حتى يتأمن النصاب؟ ثمة جمهورية تحتاج إلى إنقاذ وثمة موقع يجب أن يعاد الإعتبار إليه حتى لا يظل سلعة في سوق المزايدات وحتى يتم تحريره من الوصايات. بكركي هي الوصيّة على هذه الوصيّة. بكركي هي حاملة الرسالة في وطن الرسالة. المهمّة صعبة ولكنها تستحق العناء حتى لا يتحوّل رئيس الجمهورية إلى مجرّد موظف يتم تعيينه لإدارة قصر بعبدا لا لإدارة الجمهورية، وحتى لا يتحوّل مسيحيو لبنان إلى ما يشبه مسيحيي سوريا أو العراق أو فلسطين الذين يزورهم البطريرك الراعي في زيارة تاريخية أولى لم يسبقه إليها أحد.
اعتبارا من 15 أيار يدخل لبنان زمن الأيام العشرة الصعبة قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. هذه الأيام تقرّر مصير الجمهورية. التجربة تستحق العناء والموقع يستحق التضحية والبطريرك يستطيع أن يغامر حتى لا تتم المقامرة بالمنصب والإقتراع على ثياب الجمهورية قبل صلبها. فارس الهيكل لا يستطيع إلا أن يحمل سيف الموقف لإنقاذ الهيكل.
في مطار بيروت بعد عودته من باريس رد البطريرك: “القدس هي مدينتنا نحن المسيحيين قبل كل الناس، وهي المدينة المقدسة أم الكنائس، والقدس العربية. وأنا ذاهب الى هناك لأقول بأعلى صوتي إنها مدينتنا نحن… منذ فترة طويلة، وأنا أطالب بانتخاب رئيس للجمهورية قبل 24 أيار، فلم أجد أية أصوات تساند البطريرك في هذه الصرخة. وكم قلت إننا لا نستطيع أن نصل الى فراغ، واعتبرت ذلك بمثابة جرم، ولم أسمع صوتاً واحدًا يساندني بذلك. فإذا كان يهمّهم أمر البطريرك، خصوصا في الأمور الأساسية والوطنية، عليهم مساندته ودعمه، وسأبقى أطالب بانتخاب رئيس جديد للبلاد قبل 24 أيار، وأكرر أننا ضد الفراغ، وضد عدم عقد جلسات نيابية لانتخاب رئيس جمهورية جديد، ومن يهمّه مساندة البطريرك بذلك فعليه القيام بهذا الأمر”.
البطريرك يَتَّهِم ولا يُتَّهَم. طريق بكركي تمر في القدس وفي ساحة النجمة أيضا. إنها حدود لبنان وليست حدود إيران. وهي معركة إعادة رسم هذه الحدود وتثبيتها.