لا يرى المرجع الدستوري والقانوني إدمون رزق لـ«المستقبل» من أن «واقع ان إنتخاب رئيس عتيد لجمهورية لبنان، بات مسألة دستورية متقدمة على ما عداها، بحسب ما يشاهده اليوم، إنما أصبح على هامش الدستور، لا بل على هامش الممارسة الديموقراطية الشريفة التي تحتم المحافظة على المؤسسات وعدم تعريضها للانهيار«. هو يتجنّب تخصيص الاشخاص والفرز السياسي، لكن يعتبر أنه «بمعزل عن ذلك كله، هناك إخلال جدي بالميثاقية وخطر مداهم على وحدة الكيان وعلى نوعية النظام».
يؤكد رزق في حديث الى «المستقبل»، أن «لا سبيل للمحافظة على وحدة الكيان اي على وحدة الوطن والدولة، ارضا وشعبا ومؤسسات، الا بالعودة الى تطبيق اتفاق الطائف نصا وروحا، وما عدا ذلك، هو تشكيك بقابلية الجمهورية اللبنانية للحياة». ويأخذ على «الذين يحكون بخفّة منذ 3 سنوات عن مؤتمرات تأسيسية وعقود اجتماعية جديدة واعادة النظر في جوهر الكيان اللبناني التعددي الموحد كانموذج فريد في الشرق». ويقول: «في هذا الكلام ليس خفة فقط إنما دليل على حاجتنا الماسة الى العمل الوجداني والجدي ومقاربة الاخطار المحدقة بلبنان بروح الوحدة الوطنية التي تحتاج الى كثير من التضحية بدلا من تنازع السلطة وتناهش جسد الوطن، ولكن، لان سبيل العابثين بجوهر الكيان اللبناني سبيلهم اليوم هو الدستور، كان لا بد من التوقف عند بعض من ادائهم، وان كان على هامش هذا الدستور«.
يذهب رزق أبعد من ذلك، الى مسألة تحديد النصاب الدستوري لجلسة إنتخاب رئيس الجمهورية، وما إذا كان الثلثان او بالاكثرية المطلقة، فيشدد على أن «النصاب القانوني لجلسات انتخاب الرئيس هي بالاكثرية المطلقة. لا اجتهاد بوجود نص، والنص واضح ويقول انه بالدورة الثانية وما يليها، ان الاكثرية المطلوبة هي النصف زائدا واحد، من عدد اعضاء مجلس النواب. في الاساس، لم يحدد المشترع الدستوري نصابا لعقد الجلسة غير النصاب العادي، انما اشترط اكثرية الثلثين في الدورة الاولى للفوز بالرئاسة فيها. وقياسا على ذلك، جرى العرف ان يكون نصاب افتتاح الجلسة لاجراء الدورة الاولى الثلثان. ولكن، عندما حسم المشترع الموضوع باشتراط اكثرية النصف زائدا واحدا للفوز في الدورة الثانية او ما يليها فانه يكون حسم موضوع النصاب اي انه النصف زائد واحد. لذلك، بالنسبة الى جلسات الاربعاء المتتالية، كان النصاب متوافرا لان عدد الحضور زاد عن النصاب العادي. ولا يصح الاجتهاد في موضع النص. ولا يمكن تعديل الدستور الا من داخل الاصول المحددة في الدستور لا بقرار رئاسي ولا بقرار هيئة مكتب المجلس ولا بقرار حتى من المجلس كله. فهذا تعديل للدستور«.
ويستطرد المرجع الدستوري: «اذا كانت النية المبيتة وراء ذلك هي الوصول الى نوع من التوافق العام، فيكون ذلك موقفا سياسيا لا ممارسة دستورية، يمكن تعليق الجلسة دائما، لوقت يزيد او ينقص، واجراء المشاورات من دون رفعها لان الجدية تفرض الاستمرار في الدورات لغاية انتخاب رئيس من ضمن الجلسة الواحدة، ولو استغرقت حتى آخر يوم من ايام الاستحقاق. علما ان في الايام العشرة الاخيرة يصبح التئام المجلس حكما ويترأسها نائب الرئيس او رئيس السن، في حال غياب الرئيس، ويبقى شرط الحصول على النصف زائدا واحدا ساريا لانتخاب رئيس الحمهورية«.
وحول كيفية تفسيره لتلاوة رئيس مجلس النواب نبيه بري طلب محضر الجلسة في دورتها الاولى، والإعلان في الوقت نفسه ارجاءها الى الاربعاء الذي يلي. يجيب «يتلى المحضر عادة ويصدق عليه بوجود اكثرية. اذا كانت الاكثرية موجودة هذا يعني ان النصاب لم يكن مفقودا. واذا لم تكن الاكثرية موجودة، فهذا يعني ان المحضر لم يقر مما يوجب اقراره في اول جلسة يكتمل نصابها بالاكثرية. سبق وصارت تجربة في هذا المجلس بالذات وكل المجالس ان تعلق الجلسات المستمرة في مناقشة بيان الحكومة مثلا، حتى تنتهي بطرح الثقة، اما نيلها او حجبها. ولم يسبق في تاريخ انتخابات رئاسة الجمهورية ان ختمت جلسة مكتملة النصاب وقانونية. اذ تستمر الدورات متواصلة حتى انتخاب رئيس. هذه تجربتنا عبر انتخاب 5 رؤساء للجمهورية.« وكيف يتلى محضر الجلسة وترجأ في آن؟. يرد رزق: «اعتقد ان الارجاء صارت فيه التباسات. كانت هناك حاجة الى الشفافية في التعامل مع الموضوع. الشفافية تقول ان الجلسة مستمرة، وكان يفترض ان تعقد الدورة الثانية فورا.
تسأله «المستقبل»: هل أن مجلس النواب هيئة تشريعية أم هيئة انتخابية اليوم؟، فيجيب: «منذ 23 نيسان الماضي، اي منذ دعوة مجلس النواب الى جلسة عقدت فعلا لانتخاب رئيس للجمهورية، باتت الهيئة ناخبة، ولا يحق لها ان تقوم بغير هذه المهمة والا يكون ذلك التفافا على الاستحقاق. لا يجوز للمجلس ان يعقد جلسات بجدول اعمال غير الانتخاب. وكل ما يفعلونه يجب ان يحصل بعد اتمام العملية الانتخابية ورفع الجلسة«. أما عن الوضعية الدستورية للجلسة التي دعا اليها رئيس مجلس النواب الاربعاء المقبل لـ»درس واقرار» مشروعي قانون سلسلة الرتب والرواتب في القطاع العام؟، يبدي رزق إعتقاده أن «هذا التفاف على الاستحقاق. ان المجلس منعقد منذ 23 نيسان الماضي واصبح هيئة ناخبة. في اي حال، ان كل شيء يحتاج الى طعن امام المجلس الدستوري، والروح السائدة في المؤسسات اليوم هي على هامش الدستور وبمعزل عنه وعن الاعراف الدستورية وبمعزل عن الميثاقية الحقيقية«.
وفي قراءته لإنقضاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية، وعدم تمكن مجلس النواب من اتمام هذا الواجب الدستوري، وشغر المركز الاول في البلاد، وعلى من تقع مسؤولية القيام بصلاحيات الرئاسة الاولى؟. يؤكد المؤكد أنه «اذا خلت سدة الرئاسة لاي علة كانت يتولى مجلس الوزراء مجتمعا صلاحيات الرئيس«.
وعندما يُسأل: لكن رئيس الحكومة ليس مسيحيا. يردّ بجزم «ليكن ذلك. ان مجلس الوزراء مجتمعا بتركيبته المناصفة يتولى هذه الصلاحيات، لا يحل الرئيس السني محل رئيس الجمهورية. فلا افضلية لديه ولا صلاحيات لديه لرئاسة الجمهورية او رئاسة الدولة انما لديه صلاحيات محددة. ان رئيس الدولة هو رئيس السلطة التنفيذية. سيكون عندها مجلس الوزراء الذي يتولى مجتمعا صلاحيات الرئاسة. وفي اي حال، نكون، امام هذه الفرضية، ندخل في مرحلة الخطر الكياني، وهذه مسؤولية لبنانية وطنية تستدعي صحوة الرأي العام الوطني للمحافظة على الجمهورية. فالعلة الرئيسية كانت في افراغ رئاسة الجمهورية عام 1988، وتداركها بقية باقية من حراس الوطن الذين اجتمعوا في الطائف لانقاذ الجمهورية. واليوم تكرار السابقة هو ضربة قاضية على الجمهورية اللبنانية وعلى الكيان الموحد«.
وعمّا إذا كان ثمة خوف من تقسيم للبلاد، يسارع رزق الى الإجابة: «كلا، انما تفتت. واذكر بما قلت عام 1976 وهو قول حسمه الاباتي بولس نعمان في مذكراته: «ان لبنان اصغر من ان يقسم واكبر من ان يحتوى. فاما ان يكون كله لجميع اللبنانيين واما ان لا يبقى منه شيء لاحد». هذا مستوى الخطر الذي نواجهه. عام 1989، عندما رحنا الى الطائف، كانت هناك بقية باقية من ممثلي ارادة الشعب اللبناني. اليوم، لم يعد هناك تمثيل صحيح لارادة الشعب اللبناني. اذا فرطت الامور لن يكون هناك من يصلحها«.