لا شك في أن تراكم عجز الكهرباء في لبنان، حوَّل الأزمة إلى مأساة وطن أو يكاد، نتيجة التراكمات والمؤشرات الخاصة بالانعكاسات الاقتصادية والمالية للمؤسسة، وعلاقتها بعجز الموازنة العامة والمديونية العامة، التي تنمو بشكل غير مسبوق .
في النقاط النافرة التي توجب التوقف عندها، هي أن عجز مؤسسة الكهرباء، يزداد صعوبة وانعكاسات على الوضع المالي. كلما طرحت قضية كبيرة، بحجم معالجة سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام، التي تقدر كلفتها الأخيرة وما قبل الأخيرة بما بين 1800 مليار ليرة (مشروع اللجنة النيابية الأخير، المرفوع إلى مجلس النواب)، وبين حوالي 2700 مليار ليرة المشروع، الذي توصلت اليه اللجان النيابية، لا سيما لجنة المال، والذي كلفت على أساسه اللجنة النيابية المصغرة. والرقم الأخير للجنة جاء قريباً من تقديرات حكومة الرئيس ميقاتي، التي اقترحت جملة أمور أصلاحية وضرائبية، ألغي أكثرُها، وأُخذ ببعضها من قبل اللجنة الأخيرة صاحبة المشروع، الذي سيناقشه المجلس هذا الأسبوع مع ملاحظات بالجملة لوزير المال وبعض النواب ورفض «هيئة التنسيق النقابية».
كل النقاش المالي للسلسلة والوضع المالي، وسط تردي الوضع الاقتصادي، وتراجع مختلف المؤشرات، لا سيما الأعباء التي تتراكم على القطاعين العام والخاص، نتيجة فقدان النمو والبحث عن مصادر تمويل، في دولة عاجزة عن تحسين انتاجيتها، من جهة، وتحريك عناصر النمو الاقتصادي وتكبير الاقتصاد، لتلافي الضرائب الجديدة، من جهة ثانية وهو ما سيدفعه المواطن مهما تعددت التسميات .
تراجع التقديمات ونمو الدين العام
لكن النقطة الأهم والخطر الداهم في الأمر، هو في تراجع التقديمات الاجتماعية، مع تسجيل الدين العام أعلى نسبة نمو له في السنوات العشر الأخيرة، حيث زاد الدين العام حوالي 3.10 في المئة خلال سنة واحدة، بينما الاقتصاد بقي نموه دون الواحد في المئة، مع الاحترام الكبير للتقديرات المتفائلة، التي تقول بنمو 1.5 و2 في المئة.
جملة نقاط يمكن سردها على سبيل المثال لا الحصر:
1- اخطر مثال يمكن التوقف عنده، هو موضوع العجز الكبير والمتزايد للكهرباء، الذي ينمو سنوياً بحوالي 2.2 مليار دولار، وهو يشكل حوالي 52 في المئة من حجم عجز الموازنة العامة في البلاد، خلال السنوات الأخيرة، للمرة الأولى في تاريخ لبنان. هذا الواقع يبشر، ببساطة كلية، إلى تحول الكهرباء من أزمة خدمات إلى مأساة وطن، كما يسميها بعض خبراء الكهرباء.
2- تشير التقديرات الأولية، في حال استمرار الوضع القائم على مستوى الكهرباء، أن عجز الكهرباء المتراكم والمتزايد سيشكل، خلال العام 2017 و2018 حوالي 50 في المئة من الدين العام للدولة، البالغ اليوم حوالي 65 مليار دولار، بزيادة أكثر من 4.5 مليارات دولار في العام 2013 وحده. بمعنى أن مديونية الكهرباء التي تغطى من العجز من الخزينة، ستلامس نصف الدين العام خلال السنوات القليلة المقبلة، نتيجة العجز ودعم الطاقة غير المنطقي لبعض الفئات غير المستحقة والقادرة، والهدر وسوء الأداء، على مستوى السياسة، وتفعيل إصلاحات الإدارة. إشارة هنا إلى ان الدين التراكمي لكهرباء لبنان بين الثمانينيات ونهاية العام 2013 ، وبدعم مباشر من الخزينة، بلغ حوالي 24 مليار دولار من دون الفوائد على الديون (التقديرات السابقة بين العام 1993 والعام 2012 قدرت كلفة عجز الكهرباء بحوالي 18.2 مليار دولار من دون احتساب عجز ما قبل التسعينيات). وهذا أمر لن يتوقف على الرغم من الخطط والاوراق المنفذ منها والمعطل، بحكم المصالح السياسية الصغيرة والفساد الاداري المدعوم بالفساد السياسي.
3- أين خطة الكهرباء؟هل وصلت ورقة، أو خطة قطاع الكهرباء، التي وضعت في العام 2010 لتنتهي في العام 2014 ، إلى الحائط المسدود، ونحن على ابواب حزيران 2014؟ وما هي النتائج العملانية التي حققتها هذه الورقة؟ لا سيما ان وزارة الطاقة حصلت على 1200 مليون دولار، لتنفيذ هذه الخطة أو الورقة مباشرة من الخزينة. إن إنتاج معامل الكهرباء ،مع البواخر التي تؤمن حوالي 240 ميغاوات، على ذمة العقد االذي كلف الدولة حوالي 392 مليون دولار، ما زالت ضمن حدود 1400 ميغاوات، في حين أن الحاجة هي لحوالي 2600 ميغاوات في أوقات الذروة، أي في فترتي الشتاء والصيف. هذا هو سبب التقنين المزمن والمستمر.
4- لقد لحظت مؤسسة كهرباء في موازنتها للعام 2014 تحسين الواردات، ورفعها إلى حوالي 1730 مليار ليرة مع استمرار العجز عند حدود 3096 مليار ليرة، بعدما طلبت وزارة المال تخفيض الموازنة، التي كانت بحدود 5530 مليار ليرة، خفضتها ادارة الكهرباء إلى حوالي 4889 ملياراً. لكن هذا الواقع لن يؤثر في النمو المتواصل والكبير لمديونية الكهرباء، التي تحمل الخزينة نصف كلفة الدين العام خلال السنتين المقبلتين، في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.
5- على صعيد التوزيع، لقد اصطدم مشروع مقدمي الخدمات والشبكة الذكية بسدود منيعة، من ترهل الاجهزة الإدارية، والتدخلات السياسية وفسادها، وتجارة المولدات والمصالح على ارض الواقع، وهو أمر كان يفترض أن يخفض معدلات الهدر إلى حدوده الدنيا، بعد تركيب العدادات الذكية. على الرغم من تمكن شركات مقدمي الخدمات من تحسين الجباية خلال العام 2013 بحوالي 6.5 في المئة، وهي نسبة غير كافية، مع انها زادت العائدات حوالي 450 مليار ليرة للكهرباء. لكن ارتفاع الكلفة، مع استمرار الدعم وغلاء المحروقات ونمو الهدر، لم يخفض العجز بشكل ملموس، على اعتبار أن المشروع الخاص بتركيب العدادات الذكية لحوالي 1.2 مليون مشترك من شأنه أن يوقف السرقات الكبيرة قبل الصغيرة على الشبكة. لقد كانت الخطة تقول بتركيب العدادات الذكية قبل نهاية كانون الأول من العام 2015 فهل يمكن نفيذ هذه الخطة في موعدها؟ حتى الآن لم يصدر الأمر أو الإذن بتنفيذ الخطوة، التي تصل كلفتها إلى حوالي 160 او 180 مليون دولار، من قبل الإدارة أو الوزارة المعنية، فكيف يتوقف الهدر؟ لقد اجريت التجارب، وتم تركيب حوالي اربعة الآف عداد ذكي في 25 منطقة فماذا ينتظر المشروع؟
وصلت ورقة سياسة قطاع الكهرباء 2010 – 2014 الى حائط مسدود، حيث أن حزيران 2014 على الأبواب ضمن تساؤلات عمّا حققته هذه الورقة من نتائج عملانية.
العقبات والمعالجة
ــ في إطار المعالجة التقنية:
ـ على صعيد الانتاج: لا يزال ما يزيد عن نصف إنتاج الكهرباء قائم على المازوت (أعلى كلفة إنتاج عالمياً) والنصف الآخر يعود الى معامل ذات إنتاجية متدنية وأعمارها تجاوزت الخمس وعشرين سنة.
– على صعيد النقل: لا تزال معظم الخنقات في النقل قائمة، انطلاقاً من المنصورية الى البقاع (وقد تحولت مناقصة محطات بعلبك وصور الى حكاية إبريق الزيت قديمة متجددة).
– بالنسبة للتوزيع: اصطدام مشروع مقدمي الخدمات والشبكة الذكية مع السدود المنيعة في ترهل الإدارة أو فسادها في التركيبة السياسية (لجنة إدارة المشروع مستقيلة منذ اكثر من سنة، جدولة المشروع التنفيذية مجمدة لأكثر من ستة أشهر).
في الإطار الاقتصادي والمالي:
ــ رؤية الوضع المالي لقطاع الكهرباء خارج إطار تقييم الانعكاسات المالية على الوضع الاقتصادي العام. ورغم ما أحدثته وقدمته تجربة مقدمي الخدمات، إن لم تسقطها لاحقاً مواقع الترهل أو الفساد في الإدارة، فيبقى السؤال حول الكلفة، العائدات والتمويل، والسؤال الأهم حول الأموال المتراكمة في صناديق المتأخرات في ظل إهمال بل تقاعس الى عدم تحويل هذه الفواتير الى القضاء وعدم ممارسة كهرباء لبنان حدا أدنى من صلاحياتها في هذا الإطار.
في الإطار الإداري:
ــ انحسرت معالجة الدولة وإعادة تكليف رئيس مجلس إدارة / المدير العام من دون السؤال حول حقيقة وجود مجلس إدارة، وحول تجربة الإدارة في أكثر من عشر سنوات، وحول الصلاحيات والإمكانيات، وحول الواقع الإداري من عقود بمجملها عالقة وخاضعة للمصالحات والتصفيات.
في الإطار القانوني والمؤسساتي:
ــ في هذا الإطار يبقى السؤال الأكبر: كيف يسمح الحكم (الطبقة السياسية، المجلس النيابي، مجلس الوزراء)، أن يبقى قطاع ينزف 50 في المئة من عجز الخزينة ويقارب الـ 50 في المئة من مجمل الدين العام، ويبقى أسير قانون الخصخصة النائم خمسة عشر عاماً، مع وقف التنفيذ، وقانون معدل من أربع سنوات في أدراج مجلس الوزراء، وينتهي عباقرة القانون والتشريع إلى إنتاج قانون يسمح للحكومة بإشراك القطاع الخاص في بناء معملين كهربائيين عبر صلاحيات خاصة لمجلس الوزراء؟ وكم بديهية الأسئلة المتبقية:
] المعامل الجديدة ستنتج طاقة كهربائية تنقل عبر شبكة نقل مملوءة بالاختناقات؟
] الكهرباء المضاعفة ستوزع من خلال شبكة توزيع ينتهي القطاع الخاص من إدارتها بعد سنتين (إذا تمكن من استكمال السنتين)؟
] الطاقة الكهربائية الجديدة سيتم هدر 30 في المئة من جبايتها؟ وستدعم بأكثر من 75 في المئة من كلفتها؟
] المعامل المستحدثة والمتوقعة، ستشكل نصف طاقة إنتاجية لبنان، ضمن غياب قوانين مراقبة؟ وبأية هيكلية إدارية؟
] وتيرة العجز المالي ستزداد تصاعداً وبسرعة قياسية ما لم تعالج الأزمة بموضوعية بعيداً عن المحسوبيات المختلفة.
في الخلاصة، تبقى قضية الكهرباء من بين الخدمات الأكثر كلفة على الخزينة، مع استمرار عقم مجمل المعالجات على الصعد: التخطيطي، التقني، المالي، الإداري والقانوني، والمواطن، نتيجة الأداء والمحاصصة السياسية، من جهة، ونتيجة عدم مقاربة التعرفة للكلفة بشكل منطقي، ناهيك عن شبكات الهدر المنشورة بين الفني وغير الفني، والمصالح التي تعطل أية عملية اصلاحية، وغياب القرار السياسي والأمني، بوقف الهدر لتحسين التغذية وتخفيف الأعباء عن المليون و300 ألف مشترك في لبنان.