على أبواب الإنتخابات، يُفتَرَض بالمرشَّح أن يتقدّم ببرنامج واضح يخوض المعركة على أساسه، كما يُفتَرَض بالنّاخب أن يُلِمَّ بمواصفات المرشَّحين لكي يحسن الإختيار. هذا في الأنظمة الديمقراطيّة والدّول الحرّة، أمّا في التوتاليتاريّات والأنظمة الأحاديّة، فالعمليّة بكاملها وصفةٌ معلّبة والإقتراع حتماً صُوَريّ. وهذه الحال تنسحب على الإنتخابات الرئاسيّة في سوريا، بالرّغم من الشّكل الذي حرص النّظام على التّرويج له، على مستوى التّرشيحات والبرنامج، ليوهم المجتمع الدولي تحديداً بأنّه ملتزم بمندرجات الديمقراطيّة.
ما يهمّنا في هذا المجال، وهذا واجب قوميّ علينا وليس تدخّلاً في الشّأن السوري إطلاقاً، أن نرسم للناّخب في القطر السوري صورةً واقعيّة عن رئيسهم العتيد، وهو نفسه الرئيس القديم الذي عاشوا في ظلّ مآثره الوارفة متمتّعين بالحريّة والكرامة وبكامل الحقوق، والكلام هنا ليس دقيقاً تماماً ويستجلب بالتالي الشكّ.
ولكي نستجلي الحقيقة، نطرح السؤال: مَن هو هذا “البوتفليقيّ” الآخر الذي لا يُستغنى عن سدّته، والى أبد الدّهور؟ ينبغي، للإجابة على الإشكاليّة، أن نوضّح مفهوم كيف يكون الإنسان سفّاحاً. يعتبر البعض أنّ الإكثار من سَفك الدّماء والتقتيل لدى السفّاح هو عمل عشوائيّ، الهدف منه بثّ الرّعب وإشاعة موجة من الهَلَع تكشف عن قِناع العّداوة من ناحية، وتحدِث صّدمةً نفسيّة في الخصوم من ناحية أخرى تؤدّي الى إحجامهم عن التّمادي في المواجهة، ليغترّ بعدها السفّاح بجولات القرصنة التي يأتيها، وبانتصاراته الشيطانيّة التي لا تترك خلفها ناجين أو أحياء.
لكنّ هذا التّوصيف، على جِدِّيَّته، لا ينطبق على مَن يطرح نفسه لولاية أبديّة في دمشق، فالسفّاح هذا تحوّل القتل عنده الى هواية، أو الى ذِهنيّة مريضة، إذ يصدر عمله الإعداميّ عن نَوبَة من الرغبةٍ الجامِحة الى العنف والإعتداء، فيتشكّل الإيذاء بسلوكيّة من الدَم البارد، وتسيطر سياسة التّدمير بوجهٍ منظَّم في البلاد والعِباد. هو يبيع لحم النّاس الى البارود، وعلى أيقاع شلاّل الدمّ يشرّع الإرتكابات التي تنتهك المعايير الإنسانيّة والحقّ في العّيش، ليكون بذلك أبعد السفّاحين شهرة في الإجرام المُمَنهَج، فيذكّرنا بمن ينضح الظّلم من جِلده، وتتقطّر من شَفَته المَشقوقة زَرَدُ الحقد.
في سوريا اليوم نِزال بين مرشّح للرئاسة ذي أنيابٍ مُكَشَّرة يطوف بها الموت، توزِّع سواد المصير على البلاد، وتدلّ النّاس على أبواب القبور، وتدَّعي مواجَهةً مع إرهاب ومخرِّبين، تبدو فيها المصداقيّة ظلالاً باهِتة وبين قوم يُسَربِلون كرامتهم بدمهم الحارّ الدَّسِم، يحتسون طعم الجِراح لقضيّة سامِيَة ترسم في جِباههم شارات البطولات، ويعيشون نضالاً نَسَجَ وِحدةً وجدانيّةً مع الوطن في حالة حُلول مصيريّة، وإن عَمِلَ البعض على تشويهها لتنحرف الأنظار الى كليشيهات الإرهاب والتّخريب والعنف.
النّظام السوريّ بمرشّحه الوَقور، هو صاحب إستراتيجيّة لم تعد خافية، وهي تحويل الأرض الى قبر كبير، قبرٍ قبيح يملأ الرّحب، لا تناقض بين الرّفات فيه، فكلّها ضحيّة لِبَطشٍ شَرِسٍ تتاريّ، وكأنّ رسالة المرشّح الى “أهله” أنّ حياتكم هي فِراش موتكم المحتوم.
وبذا، تأتي الفتوحات المُبينة في عمليّات القتل والهدم في عصر انحطاط ومَظالم ووحشيّة، حيث تخدَّرت إحساسات العالم وذَبُل اهتمامه بالإنسان وبالقِيَم. فأين التّغنّي بالحريّة وبالمدافعة عن الشعوب المُستَعبَدة؟ وأين الدَّور الطّليعي للمنظّمات الدوليّة في رعاية حقوق الإنسان؟ وأين المواثيق العالميّة التي تتصدّى للجرائم السياسيّة ووحشيّات أصحاب النّفوذ، لقد أضحت كلّها أوهاماً وخُرافات ومجرّد تعاويذ تتمنّىعودة الملامح النَّضِرة وشيئاً من الصحّة الى مَن أرهقته أيّام الدمّ والوَحل؟
يستفيد المرشّح المرموق من أنّ العالم في نَوازعه وأهوائه لم يعد يخاطب المجرم إلاّ بذهنيّة المَصالح، فالحشد الكبير من التّهديد والتّحذير هو مَحض كلام إنشائيّ. فلربّما كان للعالم عَمَل جانبيّ أكثر أهميّة من التدخّل لوَقف البَطش ولوضع حدٍّ لمعاناة النّاس وفجيعتهم. أمّا ادّعاء المشاركة الممسوحة بالحزن والتأسّف فليس سوى تأثّر عارض لا يصلح إلاّ في تأبين الشّعوب.
في الصندوقة الصّدوقة، ورقة باسم الشعب السوري كلّه كُتِب عليها:
“لقد رُوِيَ عن طلعت بك، زميل جمال باشا في جرائمه، أنّه قال للسفاح: لو أَنفَقنا كل القروض التي أخذناها لِسَتْرِ شرورك وآثامك، لما كَفَتنا”.