#adsense

جعجع لـ “الشرق”: هزمت حافظ الاسد مرتين… فكانت التركيبات والاتهامات

حجم الخط

حوار عوني الكعكي وميرفت سيوفي

غالباً ما توصف معراب بـ “القلعة” من حيث الموقع والبناء، ولكن؛ وعلى وجه الحقيقة، “القلعة” الحقيقيّة في معراب هي ذاك “الرجل” المقيم على صلابته وشجاعته ولبنانيّته، في مكتبه استقبلنا المرشح الرئاسي رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع ، وتناولنا معه في حوار شامل مفاصل عدّة لأحداث متلاحقة، وعلى رأسها ملفّ رئاسة الجمهورية الذي يلوح الفراغ في أفقه، راسماً دوائر الخوف حول مصير الرئاسة الأولى والخوف على مسيحيي لبنان بعد التعطيل المتكرر والمتعمد لهذا الاستحقاق، ومخاوف الحديث عن “المثالثة” وتعديل الطائف، إلى جانب الملفّ الإقليمي الإيراني ـ السوري والسعودي ، والانكفاء الأميركي، إلى جانب ملفيّن لبنانيين دقيقين، ملفّ اختفاء الإمام موسى الصدر ، والحادثتيْن اللتين أدتا إلى غضب حافظ الأسد الدائم ومن بعده على سمير جعجع…

من معراب، هذه تفاصيل الحوار الذي خص به الدكتور سمير جعجع جريدة الشرق:

ـ إذا بدأنا حديثنا من “المحور اللبناني” فالحدث هو الاستحقاق الرئاسي وقد اتخذت يوم الخميس الماضي موقفاً أعلنته من بكركي، البعض اعتبر هذا الموقف خطوة إلى الوراء في ترشحك لرئاسة الجمهورية، والبعض الآخر اعتبره خطوة متقدّمة جداً تحت عنوان:”لست من جماعة أنا أو لا أحد”، إلى أين سيؤدّي هذا الموقف؟

* في هذا الموقف أنا صادق جداً وأعني ما أقول، وما يهمّني هو وصول البرنامج الذي طرحته، فإن وصل من خلالي أتمنّى ذلك، وهذه أقصى تمنياتي وسأكمل في هذا الاتجاه، ولكن لنفترض أنّه تبيّن بأن هناك فرصة لوصول هذا البرنامج من خلال غيري بشكلٍ أسهل، عندها لا يوجد لديّ أي مانع لنجلس ونتحدّث.

وهكذا أكون قد وضعت الأمور في أوضح صورة، كي نصل إلى انتخابات رئاسيّة جديّة، لذا أحببت أنه وفي حال كان يوجد أي أمل بشخص آخر موجود أن يتجسّد هذا الأمل..

ـ دكتور جعجع هل فعلاً ترى أنّ هناك أملاً في أحد؟

* أنا رأيي لأ؛ الآخرون ليس فقط لا يريدون سمير جعجع، بل لا يريدون برنامج سمير جعجع، ولا يريدون أيّ أحد يجسّد هذا البرنامج، والدليل على ذلك ما حدث في انتخابات رئاسة العام 2008 كان هناك مرشحان للرئاسة هما الشيخ بطرس حرب والراحل نسيب لحود، وقد تصرّف الفريق الآخر بنفس الأسلوب الذي يعتمده اليوم، فقد قاطع جلسات الانتخاب، وبقي مستمراً على مقاطعتها، حتى وصلنا إلى تسوية الدوحة.

ـ تحركات الرئيس أمين الجميّل، هل هي لطرح نفسه كرئيس وفاقي؟

* لأ .. في الحقيقة أبداً، الشيخ أمين أبلغني طرحه في جلسة استغرقت ساعتين ونصف وهي أطول جلسة جمعتني وإياه، وطرح الرئيس الجميّل هو التالي: الآن وصلنا إلى هنا، وما تبقّى هو ثلاثة أسابيع على انتهاء المهلة الدستوريّة للاستحقاق، فماذا بمقدورنا أن نفعل؟ الرئيس الجميّل يطرح المشكلة لنفكّر كلنا معاً: كيف يكون الحلّ، وهذا هو المقدار الذي طرحه معي… حقيقة فكّرنا كثيراً، وقلت له نفس الكلام الذي قلته من بكركي:”شيخ أمين أنت معنا في 14 آذار، وأنت تحمل نفس البرنامج، وإذا كان الفريق الآخر يسير بك بالبرنامج، فلنجلس ونتحدّث معاً”، فأجابني :”لأ.. في هذا السياق لا مؤشرات لديّ، أنا أقوم بجولة لطرح المشكلة ولنفكر معاً كلّنا لنرى إن كنّا نستطيع أن نجد حلاً لها”.

ـ بكلّ الأحوال “حكيم” الكتائب يردّدون مرشّحنا حتى الآن سمير جعجع، و”حتى الآن” هذه توحي بموقف “غير ثابت”!!

* هي في سياق “انتظار ما يمكن أن يستجد”..

ـ برأيك؛ هل ما زال لدى الشيخ أمين الجميل طموح بأن “يعمل رئيس”؟

* كما يتبيّن من تصريحات نواب حزب الكتائب يبدو أنّ الأمر ما زال وارداً، ولكن في نفس الوقت لا أرى أنّه “مستقتل وخلص” وهذا هو الحلّ، في لقائه معي طرح الرئيس الجميل إشكاليّة الوصول إلى الفراغ، وما الذي علينا فعله في إطار تعاوننا معاً للحؤول دون الوصول إلى الفراغ.

ـ دكتور جعجع في إطار دور غبطة البطريرك مار بشارة الراعي، لماذا حتى الآن لم يصدر عن بكركي كلام واضح بشأن “المُعطلين” للاستحقاق الرئاسي وبالأسماء؟

* بكركي، منذ كانت بكركي، لا تلعب دور فريق سياسي ولا تضع بالتالي نفسها في مواجهة فريق سياسي آخر؛ حتى عندما أرسل الجنرال ميشال عون ـ للأسف ـ جماعته في التسعينات للاعتداء على غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، لم يصدر وقتها عن البطريرك صفير أي كلمة، وهذا من منطلق أنّ كلّ بطريرك على رأس الكنيسة يعتبر أن كلّ المسيحيين أبناءه ورعيّته، أما من أخطأ ومن لم يخطئ فهذا شأن يبحثه هو داخلياً، وإنني وبعد لقائي بالبطريرك الراعي [الخميس] أعتقد انه سيقول كلاماً قاسياً للعونيين ولكن داخل الغرف المغلقة، وأظن أن موقفه واضح جداً ولكن في العلن لا يذهب إلى حدّ فتح مواجهة مع العونيين أو مع غيرهم إذا ما اتخذوا موقفاً يجده البطريرك خاطئاً، أو إذا اتخذوا موقفاً كان متفقاً على أن يتخذوا عكسه كما حدث هذه المرة.

ـ استطراداً دكتور جعجع للكلام في الغرف المغلقة ـ وكمواطنة لبنانية ـ هذا الأمر لم يعد يوصلنا إلى مكان، يتفقون على أمر ثم يخلفون بتعهداتهم والتزاماتهم، ونحن على حافّة أن يخسر المسيحيّون الرئاسة، وأن يدخل لبنان في المجهول، وأفترض أن الاستحقاق يجب أن يكون بالنسبة لبكركي أكبر بكثير من موضوع “كلّهم أولادي”!!

*  معك حقّ، إنما بتقديري الشخصي، بكركي لا تستطيع أن تدخل في مواجهة مباشرة مع أي فريق سياسي مهما كان مخطئاً.. وفي الحقيقة،ما تقولينه صحيح مائة في المائة، وبسبب المقاطعة التي تحدث سيخسر المسيحيّون من جديد فرصة الإتيان برئيس فعلي، أو برئيس يعبّئ موقع الرئاسة، فالمقاطعة التي تحدث تشكّل خطورة العودة إلى رئيس من الأحجام التي كنا نراها سابقاً.

 ـ هذه هي المرة الثالثة من العام 1988، برأيك هل السبب يكمن في “اتفاق الطائف”، ام بسبب ما يتردّد عن طروحات شيعيّة لإعادة النظر بالطائف، وإعادة النظر بالدوحة؟

* بصراحة؛ لا أجد أن هناك أحدا يجرؤ على طرح إعادة النظر بالطائف، لأنّ لا أحد يملك أي بدائل عنه، وكل ما يُطرح من هذا القبيل هو في سياق “الضغط النفسي” على الفريقين المسيحي والسُنّي في لبنان أو على الفرقاء الآخرين، مرّة واحدة رأيت أمراً جدياً بهذا الخصوص وجاء من خارج لبنان عام 2007 عندما أوفد الفرنسيون إلى طهران رسمياً “جان لويس كوسران “للبحث في وضعية “حزب الله” والوضع اللبناني، فقال له أحد المسؤولين الإيرانيين ـ وهذه هي الواقعة الوحيدة الجديّة ـ فقال له: “إن كنتم تتحدثون في وضع حلّ لسلاح حزب الله عليكم أن تضعوا في رؤوسكم أن الشيعة في لبنان يجب أن يعطوا حصة في التركيبة اللبنانيّة وليس كما هي في الطائف، وفكّروا أقلّه في المثالثة”، هذه هي الواقعة الوحيدة، عدا عن ذلك لم أسمع في المجالس السياسية اللبنانية من يطرح الموضوع.

ولكن؛ ما هو الموضوع المطروح هذه المرة؟ مرّة ومن جديد حزب الله يريد المواقع الدستوريّة في الدولة بتصرّفه، وليس العكس، وبالتالي كلّ هذا التعطيل بالوقت الحاضر ليشكّل ضغطا على كلّ المعنيين، خصوصاً وأن حزب الله يعرف أن كلّ المعنيين هم “أمّ الصبي”، ليسيروا معه بالمرشّح الذي يرتاح له حزب الله… ومفهوم نسبياً أن يُفكّر حزب الله بهذه الطريقة، ولكن أن يجاريه فريق مسيحي بهذا التفكير فهذا ما ليس مفهوماً وستؤدّي هذه المرّة إلى تشكيل خطر على الاستحقاق الرئاسي بحدّ ذاته.

الشيء الطبيعي الذي كان على الفريق المسيحي الآخر أن يفعله، هو أن يترشّح، يحبّ أن يرشح ميشال عون أو سليمان فرنجية أو أي احد آخر، وننزل إلى المجلس النيابي ويكون هناك مرشحان رئيسيان وكل واحد معه من الدورة الأولى 55 أو 56 صوتا، تجاه هذا الواقع من الطبيعي أن ينسحب المرشحون الآخرون، وبالتالي نصل إلى مرشحيْن جديين.

ـ دكتور جعجع؛ قد يجد البعض أن تعطيل الاستحقاق الرئاسي جاء فعلياً من وليد جنبلاط وليس من حزب الله وميشال عون؟

* بالحقيقة لأ، وسأقول متى نستطيع أن نقول أن التعطيل يأتي من وليد جنبلاط، في حال كان هناك مرشحان كبيران حازا على 55 أو 56 صوتاً، ورفض أن يعطي أحداً منهما، وأصر على البقاء “بالسَّهْلة” لأنّ لديه مرشحه وهذا المرشح يحوز 10 أو 12 صوتا، في هذه الحال فقط نستطيع أن نقول جنبلاط يُعطّل، وبرأيي أنها إذا وصلت إلى ما قلته لك وليد جنبلاط يملك من المعرفة بالصيغة اللبنانية والحسّ السياسي ما يدفعه لسحب مرشحه وإعطاء كتلته النيابية حريّة التصويت، أو أن يأخذ قراراً بالتصويت لهذا المرشح أو ذاك، العملية الانتخابية معطّلة الآن ومن يعطّلها فريق 8 آذار وليس وليد جنبلاط، وبتقديري الشخصي، “لأ..وليد ما بيعطلها”، وأظنّ أنه سيكون أمام امتحان صعب جداً ولكنّه سيجتاز هذا الامتحان، ولن يعطّل.

ـ  انشغل الرأي العام اللبناني خلال اليومين الماضيين بتصريحين إيرانيين ، الأول للجنرال يحيى رحيم صفوي الذي تحدّث عن  حدود إيران التي بلغت للمرة الثالثة البحر الأبيض المتوسط في جنوب لبنان، والتصريح الثاني للواء حسين همداني نائب قاسم سليماني في المعارك الميدانية على الأرض السورية والذي أعلن أنه: “بعون الله تمّ إنشاء حزب الله في سوريا، وعلينا أن لا نغفل حزب الله العراقي، والبحريني وسواهم”.

* لنتحدّث قليلاً في هذا الموضوع، وقبل تصريح الجنرال صفوي ، استراتيجية إيران في المنطقة واضحة جداً، وليست محتاجة لتصريح صفوي ليؤكدها، وهي رغبة إيران في الوصول إلى المياه الدافئة من ناحيتنا وبالأخص الوصول إلى حدود إسرائيل، والوصول إلى حدود إسرائيل من الجهة اللبنانية قد حصل، الآن من الناحية السورية الناس منشغلة بالأحداث السورية، ولكن في الداخل السوري يحدث على الأرض شيء آخر، بالنسبة لإيران المعركة لم تعد معركة بقاء النظام السوري أو سقوطه، بل المعركة أكبر من هذا بكثير، والنظام السوري إحدى الأدوات التي تستعملها إيران في سبيل ترجمة استراتيجيتها في سوريا، أما ما هي الاستراتيجيّة الإيرانية في سوريا؟ فهي أن يصبح لديها حدود مع إسرائيل في سوريا أيضاً، وبالتالي فلنتصور أن إيران ستكون موجودة على حدود إسرائيل من “الناقورة إلى القنيطرة”.

هذه هي الاستراتيجية الكبرى التي تسعى إيران لتحقيقها عبر الميليشيات المسلحة التي ترسلها في الوقت الحاضر سواء حزب الله من لبنان أو كتائب عصائب الحق وكتائب أبو الفضل العباس من العراق، وأكثر من هذا بكثير، إيران ستحضّر الآن سوريين من الموالين للنظام لتشكيل حزب الله سوري حقيقي، وحزب الله السوري سيكون على الجبهات هناك، ومن لبنان عندك حزب الله اللبناني، وحلّيها بقى!!

هذا المشروع الإيراني يترجم الآن وبالفعل على أرض سوريا، وبالتالي بالنسبة لإيران ما يدور على أرض سوريا بالوقت الحاضر ليس بقاء النظام فهذا آخر همّها، ما يترجم هو الإمساك بالحدود عبر قوى عسكرية ومباشرة، وليس بطريقة غير مباشرة كما كانت أيام النظام.

ـ ولو ترشّح بشار الأسد للرئاسة؟

* “هيدي مزحة ما هيك”… هناك الآن داعش، وجبهة النصرة، والجيش السوري الحر، ومن ضمن المجموعات المسلحة الموجودة على الأرض السورية مجموعة بشار الأسد، هنا يعمل الإيرانيون ويلعبون لعبتهم ، تاركين مجموعة بشار الأسد بتسمية نظام.

ـ وما مدى إمكانية تحقيق هذا المشروع؟

* هلّق هلّق، والله يا عوني كبيرة..وهيدا اللي عم بيصير وما عم بيصير شي غيرو.

ـ هذا المشروع يشكّل خطراً كبيراً على إسرائيل، ومع هذا تلزم الصمت؟

* بخلاف ما يُفكّر كثيرون، لا تظنّ أن بعد النظر عند الإسرائيليين يطال “عشي 500 سنة لقدّام” وأن حساباتهم دائما صحيحة.. مش صحيح أبداً، سأعطيك مثلاً صغيراً جداً، لطالما سوقوا في الشرق والغرب أن الرئيس حافظ الأسد “جمّد لنا الجبهة” وهي هادئة وعلى أفضل ما يرام، في الوقت الذي كان ما يفعله الأسد بالضبط هو صناعة كلّ المجموعات التي أرّقت إسرائيل وأزعجتها..أحياناً ترى حال اكتفاء بمظهر الأشياء، أما بما يتعلق بالوضع الحالي ، فبما أنهم لا يتعرّضون لإطلاق نار من جبهة الجولان فهم يعتبرون “إنو ماشي الحال”.

ـ دكتور جعجع، هذه المجموعات المتطرفة تشكّل خطراً على إسرائيل خصوصاً بالشعارات المرفوعة، “الموت لإسرائيل” و”ازالة إسرائيل” وهذا يعني أننا عدنا إلى نفس الدائرة التي كنا فيها؟!

* هذه شعارات للشعارات، مثلاً الآن وبين العام 2006 والعام 2014 هناك ثماني سنوات، كيف تجد الحدود الجنوبيّة أين شعار “الموت لإسرائيل”؟ وإذا تسلم حزب الله السوري الحدود مع إسرائيل سيظل يردّد “من اليوم لبكرا” الموت لإسرائيل إنما عملياً ماذا يفعل؟ هو يمسك بالسلطة في سوريا، وهذا هو الهدف من وراء “الموت لإسرائيل” أن يمسك السلطة في سوريا، متل نظام بشار الأسد، والنظام السوري بشكل عام بقي 40 سنة يردد الموت لإسرائيل، بينما ما يفعله عملياً هم “الموت للشعب السوري”.. ولنجمع عدد  السوريين الذين ماتوا في حروب مع إسرائيل منذ العام 1967 حتى اليوم، “بيطلعوا قدّ اللي راحوا هلقّ؟ أم عشرة في المائة”!!  فإذن، الموت لمين؟! كلّ اللعبة إذا شئت عرض عضلات لإيران في المنطقة وتعزيز لدورها ونفوذها.

ـ دكتور جعجع هل لديك مخاوف من تغيير هويّة سوريا من دولة عربية ذات طابع سُنّي، إلى دولة إيرانية ذات طابع شيعي ـ علوي؟

* لا أحد يستطيع أن يُغيّر ثوابت التاريخ، نحن لسنا في القرن التاسع والعاشر والحادي عشر،إيران لديها هذا الطموح على المستوى السياسي ، ولكن الخوف كبير جداً من الحاصل الآن في سوريا، وبرأيي أن الخوف الأكبر في سوريا هو من الصوملة، تقسيمات مناطقية على دينية على عرقيّة، فوضى، أرض سائبة لا سلطة معيّنة فيها، كلّ منطقة لها سلطة مستقلة فيها، وحروب دائرة بين الكلّ ومع الكلّ وضدّ الكلّ، وهكذا.

برأيك “حكيم”، أليس يوم مجيء الخميني كان هناك مشروع إيراني للمنطقة، وهل كان هناك مشروع عربي في المقابل؟

* دائماً كان هناك مشروع عربي في المنطقة، يسير بسرعة أقل أو بسرعة أكثر، تابع الفضائيات العربية وستكتشف أن الثورات العربية هي ظواهر تاريخية وليست مجرد ظواهر سياسية، أنظر على تونس وإلى حجم التغيير الذي حدث فيها وبأقل ضرر ممكن، ومع الأسف ببضع عمليات الاغتيال التي وقعت، في ليبيا للأسف ستأخذ وقتاً، إنما كلها تم وضعها “على السكّة”، في مصر أيضاً وضعت على السكّة، تحتاج إلى وقت، إنما انطلق القطار على سكّة معينة ويحتاج للوقت حتى يصل، وليس كما كان الوضع قبلاً في حال جمود ولا شيء يتحرّك.

وفي موضوع الخميني والثورة الإيرانية ، هناك دائماً حركة من داخل الشعوب والمجتمعات فهي ليست مستنقعاً راكداً تنتظر من يُلقي فيها حجرا، المجتمع الإيراني عنده دينامية خاصة فيه، وقصة الخميني ناتجة عن 25 عاماً من حكم “السافاك”، ولنتذكر كيف بدأت الثورة وكيف انتهت، كانت مكوناتها غير الطائفية أكبر بكثير من مكوناتها الطائفية، وغير الطائفيين كانوا عدة مكونات، لا تنسى بني صدر، شابور بختيار، وكان هناك الحزب الشيوعي وهناك الليبراليون،وهناك المستقلون، واعتمد الخميني أسلوبا رهيبا، فقد كان فريقه هو الوحيد المتماسك أما الآخرون فكانوا مجموعة فرقاء وبدأ بتصفيتهم مجموعة تلو الأخرى وعلناً..

واستطراداً، أقول: حتى اليوم ما زالت تطرح قضية الإمام موسى الصدر وما زال الغموض يلفها، وقد قرأتُ مرة تحقيقاً وجدت أنه الأقرب إلى الحقيقة، فالنظام الليبي كان النظام العربي الوحيد الموكّل بالثورة الإيرانيّة منذ بدايتها  وجماعة الخميني كان لديهم مخيمات تدريب داخل ليبيا، وعندما ربح الخميني اعتبر معمر القذافي أنه انتصر،الآن الإمام الصدر كان من الأئمة المرهوبي الجانب في إيران، وهنا النظرية، يُقال لو أن الإمام الصدر بقي موجوداً لكان أكثر شخصيّة شكّلت خطراً على “ولاية الفقيه”  فهو لم يكن من أنصار نظرية ولاية الفقيه وفي نفس الوقت عنده من التأثير في إيران وفي العراق وبالتأكيد في لبنان، لو بقي الإمام الصدر، لم يكن هناك إمكانية ليكون هناك شيء اسمه حزب الله، وفي العراق كانت الصورة لتكون مختلفة، والخطورة الكبرى بالنسبة لإيران لأنه كان صاحب نفوذ وتأثير في إيران بالذات، هذه هي الأسباب وراء اختفاء الإمام الصدر.. نظام الخميني فعل الكثير ليثبت نفسه وليستمر في إيران، بغض النظر عن نظرتنا نحن لهذه الحركة، وعلينا أن نأخذها كحلقة في سلسلة تطور الأوضاع في إيران وفي إطار الصراع العربي ـ الإيراني الفارسي الطبيعي.

الآن أتذكر عندما جاء الفرس إلى لبنان، منذ ثلاثة آلاف سنة، هذا ليس بجديد، التاريخ يُعيد نفسه من داريوس، هذا ليس بجديد علينا، خذ تاريخ لبنان لطالما كان واقعاً غما تحت تأثير الفراعنة، وإما تحت تأثير الفرس، «مساقبة هلّق» أن «الفراعنة» مشغولون قليلاً، فالفرس “مفرعنين”.

ـ د جعجع، ثمة تحفظ كبير عند مواطنين لبنانيين وعرب يعتبرون أن ثمة تخاذلٍا في الموقف العربي عموماً والسعودي خصوصاً في ما يتعلّق بالموقف في لبنان وفي سوريا، وأنّ التحرّك العربي الوحيد والسريع كان في مصر لحماية أمنها واستقرارها الأمني والاجتماعي، وما ليس مفهوماً هو انحسار الدور السعودي عن لبنان؟

*  حتى نضع الأمور في نصابها الصحيح أولاً وبالحديث عن الدور السعودي والخليجي بشكل عام، هذه المجتمعات لم تنجز نموها وتطورها وليست متفرّغة “لتشوف شو بدها تعمل برّا”، وعلينا أن لا ننسى ما يترتب عليها من أعباء وانشغالات، ومثال صغير “فيروس كورونا” كلّ مسؤولي المملكة منكبين الآن على معالجة مخاطره، إلى جانب مجموعة المشاريع الإنمائية داخل المملكة من مشروع مترو الرياض إلى التطور الحاصل في جازان، ونفس الأمر يسري على الإمارات والكويت وقطر ، هذه الدول في طور النموّ، والقدرة التي تمتلكها ليست كبيرة لتضعها خارجها، وجاء وقت انفجرت فيه عشرون أزمة دفعة  واحدة، ليبيا، وتونس، ومصر، وسوريا، والأزمة بالعراق موجودة وفي لبنان أيضاً، الأزمة السورية وحدها لا تستطيع حجم التداخل فيها والأطراف الداخلون بها، إنما الدور الذي كنت أنتظر أن يكون فعّالا أكثر وأبرز وهناك كانت الخيبة هو الدور التركي، فالاقتصاد والمجتمع التركي قطع أشواطاً، وتركيا تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إنما المملكة العربية السعودية “كتّر الله ألف خيرها” بما تفعله، تكفيك أزمة مصر، وبالتالي هذه الأزمات تخطت أي إمكانيّة لأي دولة عربية  والسعودية من ضمنها لتستطيع المساهمة بمعالجتها أو إيجاد حلول لكلّ هذه الأزمات معاً.. أزمات المنطقة تخطت كل الحدود، في وقت فيه أوروبا في وضع غير مريح، وفي ظل انحسار كامل للدور الأميركي عن المنطقة، وأكبر دليل أزمة سوريا لقد بلغ عدد الضحايا مائتي ألف قتيل حتى الآن!! وفي ظل عدم وجود  دور أميركي ولا سياسة أميركية في المنطقة اليوم، هناك فقط سفارات أميركيّة، ولا يوجد سياسة أميركية لا في الشرق الأوسط ولا في الشرق الأدنى، والسبب هو “الأشخاص”، هذه فلسفة ما يسمونه في أميركا بـ “الآيزوليشن”،هؤلاء “الإنعزاليون الجدد” بعد تجربة “المحافظون الجدد”.

ـ دكتور جعجع أودّ أن أختم هذا الحوار بسؤال ـ لو سمحت ـ إلى متى ستبقى ساكتاً عن “المسكوت” عنه في قضية اغتيال الرئيس رشيد كرامي؟

 * “منّي ساكت”.. ولم أسكت في أي يوم من الأيام، وما أريد أن أقوله لك، هل قضاء عهد الوصاية أصبح اليوم مقياساً للقضاء، بالأمس أطلّ النائب خالد الضاهر وطرح معلومات بالأسماء أنا شخصياً لا أعرف هذه المعلومات، البعض مصرون أنه يجب أن تكون أنت “المجرم”، النظام السوري يريد أن يكون الأمر هكذا.

هناك واقعتان لم ينسهما لي الرئيس حافظ الأسد ولا الذين أتوا من بعده، الحادثة الأولى هي الاتفاق الثلاثي، كان عمر الأزمة اللبنانية قد بلغ عشر سنوات، وكلّ العالم يريد حلاً، جاء حافظ الأسد بشخصيته الكبرى ليقول لدول العالم “أنا وجدت الحلّ”، طبعاً بعدما أعدّ كلّ شيء ووصلته تقارير المخابرات ومشى إيلي حبيقة بالاتفاق الثلاثي، وليد جنبلاط لم يكن ماشياً بالاتفاق الثلاثي ، مشى معهم بالإكراه، وبلّغ الأسد كل الدول، أنا من أين كنت أعرف؟ سمعتها من السفير الأميركي بارثولوميو قال لي: “هناك حل”.. وهذا حافظ الأسد حتى يخرج شابٌ يُسقّط الاتفاق الثلاثي بعد أسبوع، في وقت كان يسوّق فيه لنفسه أنه بطل لبنان وأنه وجد الحلّ، حتى يستطيعون تبرير هذا السقوط صاروا يروّجون أن الإسرائيلي جاء بطياراته ودباباته وأسقط الاتفاق الثلاثي، وإن تسنّى لك لقاء ميشال المر فسليه ماذا كانوا يروجون عن إسقاط الاتفاق الثلاثي.. وأنا الذي أسقطته، وهذه “شغلة ما بيغفرلي ياها حافظ الأسد”، ويومها استعرضوا فعلاً إمكانية اقتحام المنطقة الشرقية كلّها، هالقد حجم القصّة و”بتقوليلي رشيد كرامي”.

الحادثة الثانية، عندما حضّر الرئيس حافظ الأسد سليمان فرنجية الجد ليكون رئيساً في العام 1988، وكان غازي كنعان قد أبلغ الرئيس الأسد أنّ النصاب مضمون وستنعقد جلسة الانتخاب، وإذ للمرة الثانية يستيقظ حافظ الأسد ليجد أنه لا نصاب لانعقاد الجلسة.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل