أبانا الذي في بكركي


كتب نجم الهاشم في مجلة” المسيرة”: كانت الساعة الخامسة تقريبا بعد ظهر يوم الجمعة الثاني من أيار الحالي. كان الفراغ سيّد الصرح البطريركي في بكركي. البطريرك الكاردينال بشارة بطرس الراعي يتابع زيارته إلى روما ثم باريس. لا مواعيد في الصرح ولا زوّار. عند البوابة الخارجية يتابع عناصر الجيش اللبناني حركة الدخول والخروج، تفتح البوابة وتغلق للسيارات القليلة الداخلة أو الخارجة. يسألون فقط عن الإسم ويسجلون ويفتحون من دون أن يسألوا عن وجهة الزيارة.

كان بعض الكهنة خارج البوابة الداخلية. لحظات وانصرفوا إلى الكنيسة الكبرى المفتوحة للتمرّن على بعض الترانيم الدينية. في الداخل يتابع موظف السنترال عمله كالعادة. وحده كان يقف أمام البوابة السيد خطار الحدثي وكأنه ينتظر قدوم شخص عزيز. فتحت البوابة السوداء ودخلت سيارة مرسيدس حديثة الطراز. لم يكن من الصعب معرفة من فيها. عندما اقتربت كان يقودها الشماس جورج صليبا وإلى جانبه في المقعد الأمامي البطريرك صفير. توقفت السيارة أمام البوابة مباشرة. كانت تتبعها سيارة يابانبة الصنع صغيرة الحجم توقفت إلى جانب حائط الصرح قرب البوابة. أطفأ جورج المحرك ونزل من السيارة. تقدم السيد خطار وفتح الباب للبطريرك صفير. كان يرتدي كامل هندامه الكهنوتي. بدا بصحة جيدة. ترجّل وحيدا من السيارة. ساعده السيد خطار الحدثي والشماس جورج رفع يده محييا ودلف سريعا متوجها إلى داخل الصرح. في هذه اللحظات نزلت سيدة من السيارة. لم تكن غريبة. إنها ميلاني شقيقة البطريرك صفير. تبعته إلى الداخل. وقف موظف السنترال وشخصان كانا قربه وسلموا على البطريرك صفير: الحمدالله على السلامه. انتظر البطريرك وصول المصعد الكهربائي ولما وصل فتح الشماس جورج الباب ودخل والسيد خطار الحدثي والسيدة ميلاني مع البطريرك صفير إلى المصعد. أقفل الباب وتحرك المصعد صعودا واختفى البطريرك صفير مع مرافقيه. ذهب إلى جناحه الخاص في الطابق الأول. إنه يريد أن يرتاح.

بعد قليل عاد جورج. صعد إلى السيارة من جديد. أخذها ليركنها في الموقف الخاص بها في آخر الساحة ضمن كاراج مقفل. أخرج سيارته منه وأدخل سيارة البطريرك صفير وعاد.

يوم الخميس لم يكن من الممكن مقابلة البطريرك صفير. “مش هون” قال جورج. أين هو؟ لا جواب. في الإجمال لا يفارق البطريرك صفير بكركي إلا في حالات الضرورة القصوى. أحيانا يذهب لقضاء بعض الوقت عند بعض أقاربه القلائل. ولكن في الغالب لا يغيب يومين متتاليين. بين الخميس والجمعة كان البطريرك صفير في المستشفى.

أراد جورج أن يعود إلى الداخل. صامت أكثر من أبو الهول. كيف صحة البطرك؟ منيح. انشالله ما في شي خطير؟ منيح. إنسان بعمرو ما عاد مثل الأول.

يخضع البطريرك صفير دوريا لفحوصات عادية. يزور الطبيب أو يأتي إليه عندما يكون ذلك ضروريا. ولكن عندما يتعلق الأمر بأسنانه أو بعيونه لا بد من الخروج من بكركي. هذه المرة أراد أن يجري فحصا لعينيه. طالما انتقل إلى المستشفى كان من المناسب إخضاعه لفحوصات عامة ضروية. لذلك بقي يومين من دون أن يعلم بالأمر أحد إلا المقربون جدا منه.

منذ العام 1956 يقيم البطريرك صفير في بكركي. تقريبا لم يعرف إلا بكركي بيتا له. منذ غادر بيته الوالدي في ريفون متوجها إلى الدير على ظهر بغل ومعه أغراضه الشخصية في صندوق خشبي صغير لم يلتفت إلى الوراء. كان الماضي خلفه والكنيسة أمامه. لم يكن يدري أن الطريق التي بدأها طفلا ستقوده في النهاية إلى بكركي.

كان يتبع أبرشية دمشق، جونيه حاليا، وكان إلى جانب المطران يوحنا الحاج. في العام 1956 عندما أصبح المطران بولس المعوشي بطريركا بقرار تعيين صادر من الفاتيكان طلب من المطران الحاج كاهنا يكون إلى جانبه في أمانة السر. لم يتعب الحاج في البحث. سريعا أرسل إليه “أبونا” نصرالله صفير. إنه كاتم أسرار من الدرجة الأولى. أحيانا يخاف على أسراره من نفسه.

يحفظ أبونا نصرالله الكثير من تجربة البطريرك المعوشي. يكن له الكثير من الإحترام والطاعة عندما يتكلم عنه حتى ولو بعد خمسين عاما على أول لقاء بينهما وبعد ثلاثين عاما على وفاته.

إلى جانب البطريرك المعوشي استطاع الأبونا نصرالله أن يحفظ الكثير من أسرار العهود وعلاقات الرؤساء والسياسيين مع بكركي. وأكمل في المراحل التالية مطرانا وبطريركا. كميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو وسليمان فرنجية والياس سركيس وبشير الجميل وأمين الجميل وميشال عون والياس الهراوي وأميل لحود وميشال سليمان. أحد عشر رئيسا وبطريرك واحد. رئيس واحد لم يتسن له التعرف إليه هو الرئيس الأول بشارة الخوري.

في العام 1960 صار الخوري نصرالله صفير مطرانا ومدبرا بطريركيا وبقي أمينا للسر. منذ بداياته عاش حياة الكهنوت الأساسية: نذر الطاعة والعفة والفقر.

حتى العام 2010 كان لا يزال ينام في المقر الصيفي في الديمان في غرفة النوم التي كان يشغلها البطريرك أنطون عريضة قبل ثمانين عاما تقريبا. السرير نفسه. الخزانة. المرآة. وكان يجلس إلى المكتب الخاص بالبطريرك عريضة نفسه والكرسي ذاته. قليلون الذين دخلوا إلى هذا العالم الخاص بالبطريرك خارج الصالونات الكبيرة. متقشف إلى آخر الحدود. عندما تقترب من هذا الواقع تكتشف عظمة الرجل الذي صنع مجدا من إيمان لم يملك من الدنيا غيره. هكذا كان يعيش البطريرك صفير. الصورة في جناحه الخاص في بكركي لم تكن تختلف كثيرا ولكن الداخلين إلى هذا الجناح كانوا أكثر من الذين دخلوا إلى جناحه في الديمان.

في حياته الكهنوتية عايش أكثر من بطريرك. لم يتسن له أن يكون قريبا من البطريرك عريضة ولكنه كان يعرف أخبار أيامه الأخيرة في بكركي. مرت على الصرح أيام عصيبة استدعت اتخاذ قرار من الفاتيكان تعيين ثلاثة مطارنة لإدارة شؤون البطريركية وبعد وفاته تم اختيار المعوشي خلفا له. في آخر أيامه عانى المعوشي من وضع صحي سيئ.

رافق عن كثب ولاية البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش الذي خلف المعوشي. وكان أحد أركان بكركي عندما تم تعيين المطران ابراهيم الحلو مدبرا بطريركا يقوم بمهام البطريرك بعد تداعي الأوضاع السياسية والعسكرية المسيحية في الحرب. بقيت هذه الصور محفورة في ذاكرة المطران صفير.

عندما تولى السدة البطريركية في العام 1986 لم يكن من بين الأسماء المطروحة. ولكن الله اختاره لهذه المهمة. لم يتصوّر أبدا أن إقامته في بكركي ستمتد كل هذه السنين، وأن ولايته البطريركية ستستمر حتى العام 2011 على مدى 25 عاما كاملة حافلة بالمحطات المصيرية والمفترقات التاريخية والقرارات الصعبة.

لم يخف البطريرك صفير من حمل المسؤولية. “لا تخف. آمن”. كان هذا مبدأه الذي حاول أن ينقله إلى غيره ومن خلال هذا المبدأ استطاع أن ينتصر. بطريرك الصمت كان كثير الضجيج. حمل صليب لبنان ومشى درب الجلجلة إلى قيامة جديدة. كان ضمير لبنان. دائما كان يصلي عندما يخلد إلى نفسه كل ليلة حتى يطيل الله عمره من أجل أن يعبر بلبنان نحو الحرية الجديدة والإستقلال.

كان فرحا عندما خرج الجيش السوري من لبنان. ولكنه ظل قلقا من وجود السلاح غير الشرعي. اعتبارا من العام 2010 أسرّ إلى نفسه أنه بات لزاما عليه أن يرتاح. كان يريد أن يغادر المنصب وهو في عز انتصاره ووعيه وحضوره. كان بدأ يشعر بالتعب. تسعون عاما ليست مسألة بسيطة. العمر له حق عليه. راودته فكرة الإستقالة طويلا. في لحظات تجرّد ووعي كامل كتبها وارتاح. كأنه كان يلقي حملا ثقيلا عن ظهره. قدمها إلى البابا بندكتوس السادس عشر في آذار 2011.

بعد عودته إلى لبنان سرت إشاعات كثيرة حول سبب استقالته. بعض الذين كانوا يتمنون لو لم يكن بطريركا أشاعوا أن البابا أجبره على الإستقالة انتقاما منه ومن مواقفه السابقة. ولكنه لم يرد. في حضوره كان كبيرا وفي ابتعاده بقي كبيرا.

انشغل بال أحد رفاق سرّه. ذهب إليه في ساعة صفاء يسأله: لماذا استقلت؟ هل صحيح أنك أجبرت على الإستقالة؟ قال له: يا إبني صرت بالتسعين. اليوم بعدني منيح بس بكرا ما بعرف. اللي بعرفو إنو ما بدي يصير معي اللي صار مع البطرك عريضة أو مع البطرك المعوشي. إذا صار لي شي بكرا بيقولوا البطرك عجِز أو البطرك خرِف أو البطرك مرِض. عالقليلة هيك إذا صار لي شي بيقولوا الأبونا نصرالله صرلو هيك مش البطرك.

اعتبارا من العام 2011 عاد الكاردينال إلى ما كان عليه قبل ستين عاما كاهنا إلى الأبد. صار أبانا الذي في بكركي. من صومعته تابع إعلان قداسة البابوين يوحنا الثالث والعشرين ويوحنا بولس الثاني. صوره إلى جانب القديس الثاني خلال زيارته إلى لبنان في أيار 1997 أوحت للكثيرين الربط بينهما. كثيرون تمنوا أن ينعم الله على أبونا نصرالله عمرا جديدا ولكن كثيرين أيضا تمنوا أن يصير قديسا. صحيح أن درب القداسة طويل وشاق ولكن كثيرين عندما كانوا يريدون أن يصفوا تقوى البطريرك صفير وطريقة حياته كانوا يقولون عنه: “هيدا قديس”.

يكفيه أن يقولوا عنه ما أراده: “أبانا الذي في بكركي”.  

المصدر:
المسيرة, فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل