الحريري لمقرّبين: مَن يظن أن طريق بعبدا تمرّ بـ”بيت الوسط” عليه أن يتذكر “معراب” و”الصيفي” أولاً
الخميس 22 أيار: هل تُسدل الستارة على حلم عون بالرئاسة؟
8 آذار عن الرابية: علاقة التيار بالمستقبل متقدمة جداً… و”14 آذار” تردّ: نظرية عقيمة تذكر بساركوزي
كتبت رلى موفق في صحيفة “اللواء”: الأيام التسعة المتبقية من المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية ستحسُم، بلا شك، الوجهة النهائية للاستحقاق الرئاسي، وتتبلور معها مواقف الكتل النيابية التي تضيق مساحة مناوراتها السياسية حول الاستحقاق برمته والمرشحين الأقوياء وفي مقدمهم المرشح «اللغز» العماد ميشال عون. فمع الجلسة التي حددها رئيس مجلس النواب الخميس المقبل، سيظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وتُسدل الستارة على جنرال الرابية، فإما يَفتح الطريق إلى بعبدا محققاً حلم الرئاسة القديم الذي دفع لبنان, والمسيحيون خصوصاً, ثمناً باهظاً له من «حرب الإلغاء» ضد «القوات اللبنانية» إلى «حرب التحرير» ضد القوات السورية في لبنان، بعدما تلاشت أوهامه على أبواب دمشق، التي كانت تُمسك بمفتاح لبنان زمن الوصاية، بنيل دعم الأسد الأب للوصول إلى سدّة الرئاسة، وإما تضيع الفرصة الأخيرة على الرجل الذي شارف عتبة الثمانين، ومعها حُلم الرئاسة.
فالمشهد مُعقّد وجليّ في آن. تختلف الرؤية باختلاف الزاوية. لكن التوقف عند مواقف القوى المعنية بالاستحقاق، المُعلَن منها والمُضمر، يؤول إلى تظهير الصورة الراهنة. فزوار الرابية، ممن يدورون في فلك 8 آذار، يلمسون أن «شيئاً حقيقياً ما» يُطبخ لكنه لم ينضج حتى اللحظة، وأن العلاقة بين «التيار الوطني الحر» و«تيار المستقبل»، على مستوى القيادة، هي علاقة متقدمة جداً، وأبعد من كونها عابرة أو ظرفية، وكأن ثمة راعياً دولياً يقف خلف ترتيبها. طبعاً تتجه الأنظار، في هذا السياق، إلى دور أميركي، ولا سيما أن معلومات يجري تداولها، لا بل تسويقها، عن خلفيات هذا التحوّل والأهداف الكامنة من ورائه، وترتكز على محاولات استقطاب عون وإبعاده عن حضن «حزب الله»، بما يفقد الحزب الغطاء المسيحي الذي وفرّه له زعيم «التيار الوطني» خلال السنوات الماضية، ويجعله في عزلة داخلية، ولا سيما أنه فقدَ التضامن الشعبي والسياسي لغالبية المكونات اللبنانية منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحرب تموز 2006 وغزو بيروت والجبل في السابع من أيار 2008 وصولاً إلى الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري والقطيعة السياسية مع الأكثرية السنية، والتي فاقمت الأزمة السورية وتدخل الحزب عسكرياً فيها، من حدّتها.
ويُعيد هذا التحليل إلى الذاكرة نظرية الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، المدعومة أميركياً، عن إمكان إبعاد نظام الأسد الابن عن إيران عبر استقطابه إلى الحضن العربي والغربي، ما أعاد فتح أبواب دول عربية وغربية أمام النظام السوري بُعيد العزلة التي أصابته على خلفية اغتيال الحريري الأب، إلا أن مسار الأسد السياسي أظهر لاحقاً عقم هذه النظرية والرهانات الخاطئة والأوهام القاتلة. وفي رأي متابعين في قوى 14 آذار أن هذه النظرية، التي يُعاد تسويقها اليوم مع عون، لا تعدو كونها أوهاماً، ذلك أن الرهان بإمكان فصل عون عن «حزب الله» هو رهان خاطئ، حتى ولو قدّم الرجل ضمانات قيل أنه طُلب منه أن تكون خطية، فالتجارب السابقة خير دليل على مآل الاتفاقات، واتفاق الدوحة، الذي انقلب عليه جنرال الرابية مع حليفه، لا يزال ماثلاً في الذاكرة القريبة، تماماً كما جملته الشهيرة «قَطَعْنا للحريري وان واي تيكت».
وإذا كان زعيم «تيار المستقبل» استفاد من انفتاح عون عليه، حين بدأ الأخير بتلميع صورته الرئاسية محاولاً مدّ الجسور في اتجاه المُكوّن السني الذي يحتاج إليه للوصول إلى بعبدا، فصاغ معه علاقة حوارية ساهمت في ولادة الحكومة السلامية بعد تعثر توزيع الحقائب، وأفضت إلى تحالفات داخلية في بعض الملفات، فإن أوساط «المستقبل» تؤكد عزمها على إكمال الحوار من دون أن تغيّر في قناعاتها السياسية تجاه حلفائها المسيحيين، الذين يشكلون معبراً وحيداً للعماد عون، إذ أن الحريري، وفق دوائر مقرّبة منه، يُعبّر بوضوح أن الكلمة الفصل في الاستحقاق الرئاسي ليست للمكوّن السنّي بل للحليف المسيحي، ومن يظن أن طريق بعبدا تمر من «بيت الوسط»، عليه أن يعدّل المسار، لأنها تمر أساساً من معراب وتُعرّج على الصيفي، ولا تتجاهل المسيحيين المستقلين في قوى 14 آذار. هذا في المبدأ، أما في التكتيك، فإن الحريري ومعه قوى 14 آذار، تدرك كل الإدراك أن الموقف المُعلَن لقوى 8 آذار، ولا سيما «حزب الله» وبري، يختلف تماماً عن الموقف المُضمَر من ترشيح عون، وهما لا يرغبان في وصوله إلى سدّة الرئاسة، وليس تبني ترشيحه العلني سوى مناورة تنطلق من حساباتهما بأن قوى 14 آذار لن تسير به، ما يضمن خسارته وعدم إحراجهما في آن، فيما تستعر المواجهة مع الحريري الذي لن يُعطي هذه الورقة «للثنائي الشيعي». وهو نجح حتى الآن في إدارة المعركة، بحيث حافظ على وحدة «14 آذار» بدعمه رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع كمرشح للرئاسة، وصان هذا التحالف بتحويل جعجع ناخباً رئيسياً ومَعبَراً إلزامياً للرئيس العتيد.
وهناك في معراب، التقييم السياسي لعون لا لبس فيه، فهو جزء من منظومة طهران – دمشق – حارة حريك، وأحد ركائز الثالوث الإيراني المتمثل بنوري المالكي في العراق وبشار الأسد في سوريا وميشال عون في لبنان، وهذا التقييم يقطع الطريق على أي إمكان لتسوية تُوصل رجل إيران إلى سدّة الرئاسة اللبنانية. ففي رأي القيادة القواتية أن تقارب عون مع الحريري لم يكن ليتم إلا بالتنسيق مع «حزب الله»، ذلك أنه «لا يقطع خيط من دون العودة إلى الحزب بعدما أضحى لصيقاً به، وتندرج محاولات الإيحاء عن تمايز في العلاقة بين عون والحزب في إطار المناورة المكشوفة».
غير أن المناخات التي تسود في كواليس قوى 8 آذار لا تشي بكثير من الارتياح، في حال وصول عون إلى الرئاسة، نظراً إلى صعوبة التعامل مع الرجل وتقلّب مزاجه. وإذا كان «حزب الله» مضطراً إلى تبني عون ظاهرياً لحاجته السياسية له، فإنه لا يدفع في اتجاه إيصاله، ولكنه لن يكون بمقدوره التهرّب من محضه أصواته إذا انعقدت الجلسة واكتمل النصاب، وكان ثمة مفاجأة ليست في حسبانه، وهو عندها سيعمد إلى احتواء الرجل وتطويقه. وإذا كان بعض المتابعين يستبعدون مثل هذا «السيناريو»، فانهم يرون أن المناخات الراهنة لا تؤشر على إمكان انتخاب رئيس في المدى المنظور، خصوصاً أن الحزب يراهن على تحسّن موقع محوره الإقليمي، سواء في سوريا أو العراق، فضلاً عن المناخات الإيجابية في ما خص التفاوض على الملف النووي، ما يعزز فرص هذا المحور في المستقبل، بحيث يمكن إيصال المرشح الذي يراه الحزب مطواعاً بين يديه، ولا يعدو كونه رئيساً فخرياً.
لكن في الرابية، الثقة كبيرة بأن عون سيكون رئيساً يوم الخميس المقبل، وهو ما أبلغه إلى كوادره.
المشهد يختلف مع اختلاف الزاوية، لكن الجميع يُجمع على أن الأسبوع الطالع هو أسبوع خَطِر!