#adsense

سيد القصر… سيد التواضع والشفافية

حجم الخط

عن جد حكيم انت قتلت بإيدك؟ سألت سمر خليل الدكتور سمير جعجع. يضحك “اذا بعد بتتهمني بعد بدي رجعك لهون” قال لها مبتسماً، بعدما ضاق ذرع  سمر من الجلوس في الزنزانة المفترضة في معراب وهربت الى الخارج. هي نصف ساعة قضتها في الداخل وشعرت أن العالم انهار من حولها فهرولت الى الضوء، فكيف الحال لو بقيت 11 سنة ونصف؟!

هو “سيّد القصر” وهي المضيفة في بيته، سمر وسمير وستريدا. القعدة ع البساطة والكلام في منتهى العمق. جلسا باسترخاء على فسحة ممتدة أمام المكتبة وخلفهما مئات من الكتب التي قرأها في فترة اعتقاله، هي القرفصاء وهو باسترخاء تام، أخبرها عن ميكيافيللي المرفوض من قبله عكس ما يظن بعضهم، لدرجة انه ما تمكن من انهاء كتابه لكثرة ما يتناقض واسلوبه المنظم في التفكير، تيار دوشادران المتأثر به منذ بداياته، مار شربل حيب قلبه، وصور يسوع والعذراء والكثير من القديسين وعلاقته الوطيدة بربّه “الايمان منو معركة انما حال منعيشها، ما فينا نكون مؤمنين فعلا من دون ممارسة طقوسنا الدينية بالحد الادنى، والتراتيل واحدة من تلك الممارسة الفعلية”. يرنّم لها وبمساعدتها “يا شعبي وصحبي”، صوته ليس جميلا على الاطلاق لكن ايمانه هو الحلو، في منتهى الجمال.

تجول سمر في أنحاء المكان، هي لعبة الاخراج المتقنة، وتجول ايضاً في الاسئلة السياسية الفخ، هذا دورها الاعلامي، محامية الشيطان حيناً، ملاك لطيف أحياناً “كيفك انت وبكركي؟ تسأل وتبتسم “انا وبكركي كتير منيح”. لم تكتف “بس مع البطرك صفير كنت أقرب”، يبتسم “أبداً علاقتي مع البطاركة هي نفسها بالعمق ولكن بحسب ظرف كل منهم”. لم تأخذ سمر الجواب الذي كانت تريده، تذهب الى أبعد قليلاً “شو رأيك بزيارة الراعي للاراضي المحتلة؟” يدافع ببعض الانفعال “القدس أرض البطاركة وللبطريرك هناك رعية وله ناسه ومطرانه ولا علاقة للزيارة بالتطبيع او ما شابه فلماذا هذا الهجوم يللي مش بموقعه؟”.

تأخذه سمر الى غير مكان، الى بشار الاسد “اذا رجع الاسد رئيس وانت صرت رئيس بدك تزورو؟” يضحك بعمق “لن يعود بالطريقة التي تظنون”.

ذهبت سمر بجولة مع ستريدا الزوجة والنائبة، غاب جعجع لفترة ليعود بعد قليل، تقدّم له زهرة لتصل به الى حيث تريد، عندما هزأ الخصوم يوم قال ان زهرة مماثلة انقذته من محاولة الاغتيال، يخبرها كيف إنحنى لالتقاطها وكيف وزّت الرصاصات فوق رأسه وأين تركت آثارها الواضحة على حائط المبنى، وحيث أصر الحكيم ان تبقى كما هي، تستكمل الجولة مع اسئلة شخصية وبصراحة متنهاية “بتزعلو لان ما عندكن ولاد؟” ويأتي الجواب هو نفسه من الاثنين “هيدي ارادة الله” وتردف ستريدا: “عنا 1400 ولد بـ بشري مسؤولين عنن”…

أهم ما في تلك الحلقة، الى جانب الشق الانساني الذي ظهرته عند سمير جعجع، هو مهنية سمر خليل العالية، اذ أدت دورها الاعلامي على أكمل وجه، وذهبت مع الحكيم بالاسئلة المفروض أن تكون محرجة له، ولكنها لم تكن كذلك لما يتمتع به الرجل من وضوح وشفافية، لكن واضح أن سمر حرصت على الا تبدو متأثرة بضيفها على الاطلاق حتى لو كانت في ضيافته، ومن جهة ثانية حرصت أيضا على الا تحمل ما تكنّه المحطة بالاساس من مشاعر سلبية تجاه جعجع و”القوات اللبنانية” عموما، كي لا تفقد مهنيتها من جهة وبالتالي كي لا تتحول الحلقة الى تصفية حسابات.

كانت سمر خليل اعلامية متميزة فعلاً، عفوية في مكان، بالغة الذكاء في مكان آخر. ستريدا جعجع ورغم اتهام البعض لها انها تفتعل الهدوء، لكن الحلقة أظهرت بوضوح انها سيدة هادئة من دون افتعال، وانها قبل أن تكون المرأة التي ما زالت عاشقة لزوجها رغم مرور السنين، لكن الاهم بالنسبة اليها، هي السيدة المناضلة الحقيقية التي تسعى لترسيخ صورة واضحة ان بامكان السيدة أن تكون جميلة جداً وانيقة جداً جداً، لكن هذا لا يمحو عنها صورة الانثى القوية الصلبة المناضلة، صورة عن سيدة حقيقية في “القوات اللبنانية”.

أما سمير جعجع، صراحة تعبت من إعجابي بالرجل! هو التعب اللذيذ المرفق بالخوف عليه وعلى أحلامنا من الضياع، هو الاحترام الذي يفوق مشاعر المحبة، الاحترام الكبير لرجل نعرف أن البلد “اللذيذ” يرفض ويلفظ هذا الطراز من الرجال، يريد رجالاً يشبهون نسخته الاخيرة في السنوات الثلاثين الاخيرة، هؤلاء الذين يتملّقون يزحفون يستسلمون يتاجرون يساومون، يا الله كم يساومون… وتعرفون بقية الصفات.

في الحلقة بدا جعجع بغاية العمق والشفافية من دون إفتعال أو تبجّح بثقافته العالية وبانسانيته العميقة الحنونة، عدا عن النكات التي رماها من وقت لاخر، خصوصا مثلاً عندما سألته سمر عن مصدر تمويل “القوات” ومن بينها الدعاوى المرفوعة ضد “الجديد” فأجابها ضاحكاً “بتمنى عليكن ما تخلّونا نفقد مصدر هالتمويل”.

الحلقة أظهرت بوضوح تام أن وطنا مثل لبنان، لا يليق به رجل أقل من طراز سمير جعجع، ونحكي هنا عن لبنان الحقيقي ذاك الذي يسكن أحلامنا، وليس ذاك الوطن المخادع الذي يعتقلنا منذ سنين وسنين، نحكي لبنان الحضارة…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل