كتب نجم الهاشم في “المسيرة”
ليست المرة الأولى التي يقفل فيها القصر الجمهوري في بعبدا. طالما شكل هذا القصر عنوان الجمهورية ورمزها ولذلك كان دائما هو الهدف. ليس صحيحا كل ما يقال عن أن رئاسة الجمهورية صارت تفصيلا في الحياة السياسية في لبنان وإلا لماذا هذه الحرب التي تشن لمنع انتخاب رئيس يعيد إلى الجمهورية معناها وإلى الطائف روحه وإلى الدولة دورها؟ ليست المرة الأولى التي يحل فيها الفراغ رئيسا في القصر، ولكن الخوف هو أن تكون هذه الحرب ضد الرئاسة مقدمة للإطاحة بالجمهورية وتوزعها حصصا وجمهوريات بحيث يصبح القصر الجمهوري قصرا مهجورا وتتوزع الرئاسات الأخرى على قصور كثيرة يقود كل منها جمهوريته الخاصة.
من شارل دباس إلى ميشال سليمان أسماء عبرت في سماء الرئاسة. يخرج الرئيس وتبقى الجمهورية. خرج إميل إده من رئاسة 1943 متهَما بالتعامل مع سلطات الإنتداب الفرنسية وأمضى بقية عمره معزولا ومحاصرًا. وخرج بشارة الخوري من رئاسة 1952 مهزوما في معركة سياسية أنهت عهده الممدّد وأمضى بقية عمره يكتب مذكراته. وخرج كميل شمعون من رئاسة 1958 بعد ثورة مسلحة محاصرا في قصره الصغير في السعديات. كتب مذكراته ولكنه لم يستسلم وطالما تصرّف وكأنه الرئيس الباقي في القصر يدير معاركه من “الحلف الثلاثي” إلى رئاسة “الجبهة اللبنانية”. كان رئيسا مقاتلاً ومقاومًا لم يهزمه إلاّ العمر.
فؤاد شهاب الذي أتى الى الرئاسة من قيادة الجيش خرج في العام 1964 بخيبة أمل إلى مرحلة طويلة من الإنطواء انتهت بإحراقه كل أوراقه ومذكراته. كانت نقمته كبيرة إلى درجة أنه رفض أن يعود رئيسا لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئا في ظل انزلاق لبنان نحو الهاوية. أوصى بانتخاب شارل حلو خلفا له ولكن شارل حلو خرج من رئاسة 1970 وهو يسلم السلطة إلى الرئيس سليمان فرنجية وإلى أزمة تهدد لبنان بالإنفجار. كانت رئاسته الحد الفاصل بين جمهوريتين: جمهورية ما بعد الإستقلال وجمهورية الحروب المتنقلة. كان شارل حلو أول رئيس يسكن قصر بعبدا. قبله تنقلت الرئاسة في بيوت كثيرة ولكنها بقيت الرمز. كما فؤاد شهاب انتهى شارل حلو من دون عائلة. شهاب تم بيع منزله بعد وفاته وحلو باع منزله ليعيش.
معركة انتخابات رئاسة 1970 كانت أيضا الحد الفاصل بين جمهوريتين: جمهورية النصاب وجمهورية تعطيل النصاب. في 17 آب من ذلك العام نزل 99 نائبا من أصل 99 إلى البرلمان. ثمة واجب لا يمكن التخلف عن القيام به. كان كميل شمعون مرشح “الحلف الثلاثي” ولكن حسابات المعركة قدّمت اسم سليمان فرنجية عليه. لم يذهب “النهج الشهابي” إلى تعطيل النصاب. كانت الصورة ضبابية. حصلت المواجهة وفاز فرنجية بأكثرية 50 صوتا ضد 49 نالها المرشح المنافس الياس سركيس. حاول رئيس المجلس النيابي صبري حماده المؤيد للشهابية أن يحول دون إعلان النتيجة. تمت مراجعة فؤاد شهاب فأفتى بالتسليم. كانت الديمقراطية لا تزال ممكنة وحتى لو كان الثمن كبيرا.
خمسة أعوام فقط أمضاها سليمان فرنجية في قصر بعبدا. في بداية العام 1976 بعد انقسام الجيش اللبناني وفي عز تحوّلات الحرب العسكرية تم قصف القصر الجمهوري وانتقل الرئيس إلى القصر البلدي في زوق مكايل ثم إلى الكفور. لم يكن المطلوب قتل الرئيس بل قتل الجمهورية.
قبل انتهاء ولاية الرئيس سليمان فرنجية بستة أشهر تم انتخاب الياس سركيس تحت القصف في قصر منصور عند بوابة المتحف. كان ذلك مؤشرا على بداية مرحلة الإنتهاء من جمهورية 1943. فقدت الرئاسة قدسيتها وانتهكت حرمتها. في بداية عهده عاد سركيس إلى القصر المهجور في بعبدا. ولكن الرئاسة صارت مجرّد إدارة للأزمة. بات الرئيس السوري حافظ الأسد يتحكم بالحكم في لبنان حتى احتل جيشه قصر بعبدا مباشرة في 13 تشرين الأول 1990. اغتيل بشير الجميل في العام 1982 واغتيل رينيه معوض في العام 1989.اغتيالهما كان حتمًا اغتيالاً للجمهورية. طوال ثلاثة أعوام ظل قصر بعبدا من دون رئيس. عندما عاد إليه الرئيس الياس الهراوي في العام 1993 لم يكن فيه الجيش السوري ولكنه كان تحت الإحتلال. تسعة أعوام مع الهراوي وتسعة مع أميل لحود بقيت الرئاسة معطلة وتحت هذا الإحتلال. كأن المطلوب أن تبقى كذلك.
في العام 2005 حصلت قوى 14 آذار على الأكثرية النيابية وكان المطلوب أن يبدأ عهد جديد من الديمقراطية يعيد الحياة إلى قصر بعبدا ويحرره من الإحتلال. ولكن “حزب الله” وقوى 8 آذار منعت انتخاب رئيس. في 23 تشرين الثاني 2007 غادر لحود القصر وسلمه إلى الفراغ. أراد “حزب الله” أن يبسط سيطرته على القصر وأن يحتله ويكون بديلاً عن الإحتلال السوري. بعد انقلابه العسكري في 7 أيار 2008 ذهب إلى السماح بانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان بعد تفاهم الدوحة. ولكن حساباته لم تصح. انقلب على حكومة الرئيس سعد الحريري. سقطت حكومته التي شكلها برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي. ذهب إلى القتال في سوريا. ووقع الخلاف مع الرئيس ميشال سليمان الذي أعاد إلى مقام الرئاسة هويّة الدولة.
لم يكن ميشال سليمان هو الهدف بل رئاسة الجمهورية. لذلك منع “حزب الله” انتخاب رئيس جديد. عاد إلى القاعدة التي أراد الأسد الأب تطبيقها: إما يكون القصر الجمهوري في بعبدا مهجورًا أو يكون تحت الإحتلال. قال النائب محمد رعد إنه بعد اليوم لم يعد حزبه يرضى بضمانات كلامية بل بتعهدات. أي رئيس جديد يجب أن يمر من بوابة “حزب الله”. عليه أن يوقع وثيقة تسليم السلطة قبل أن يتسلمها. هذا هو الشرط ولهذا السبب لن يسمح الحزب بانتخاب رئيس. والسيطرة على القرار اللبناني تكون عبر السيطرة على القرار في بعبدا.
في 3 حزيران يجدد رئيس النظام السوري بشار الأسد لنفسه في قصر المهاجرين في دمشق رئيسًا لجزء من الجمهورية السورية بعد انتخابات صورية. لذلك يريدون انتخابات صورية مماثلة في لبنان ورئيسًا يمثل هذا النظام السوري وأن يحوّلوا قصر بعبدا إلى قصر مهاجرين رقم 2.
عندما سيطرت المعارضة السورية على جزء من حلب قبل عامين خافت قوى 8 آذار من انهيار النظام. كانت هذه القوى تراهن على استعادة الأسد للمبادرة. اعتبرت أن الجيش السوري توجه إلى حلب ليعيد تحريرها وانتظرت. ولكن هذا التحرير لم يتحقق بعد. عندما هددت الولايات المتحدة الأميركية بالرد على النظام عقابا على استخدامه السلاح الكيميائي خافت قوى 8 آذار. ” لو راح الأسد كانت راحت علينا هون” قال أحد أقطاب هذه القوى التي تربط مصيرها بمصيره. اليوم وبعد معارك القلمون وبعد الإتفاق على انسحاب المعارضة السورية من حمص تعتقد هذه القوى أن النظام السوري سيعيد تحرير كامل سوريا.
هل معركة الرئاسة في لبنان تنتظر هذا الحدث في سوريا؟ تراهن قوى 8 آذار على تحوّل بهذا الحجم ولكنها كما انتظرت تحرير حلب ستنتظر طويلا وستمنع انتخاب رئيس للجمهورية. لا تستطيع هذه القوى أن تغامر بالسماح بتأمين نصاب أي جلسة انتخابية حتى لا تقع في فخ منصوب لها. هذا ما قاله النائب سليمان فرنجية وهذا ما يقوله “حزب الله” وهذا ما يطبقه العماد ميشال عون. لا يغامرون بالنزول إلى ساحة النجمة في ظل مجلس نواب فيه أكثرية غير موالية لهم. في الأساس هذه الأكثرية كانت لقوى 14 آذار. في العام 2005 كانت كذلك، وكما تم تعطيل انتخاب رئيس في الـ2007 يتم تعطيل انتخاب الرئيس في العام 2014.
إلى أين تريد هذه القوى الذهاب؟ إلى انتخابات نيابية قبل الإنتخابات الرئاسية تعطيها الأكثرية في ظل الرهان على استكمال النظام السوري إعادة السيطرة على كامل سوريا. إنهم لا يقبلون حتى بالنائب هنري حلو وهم لا يخوضون الحرب فقط ضد ترشيح الدكتور سمير جعجع.
هذه ليست الجولة الأولى في الحرب التي يخوضها جعجع وقوى 14 آذار في سبيل تحرير موقع الرئاسة والجمهورية. تلك المعركة بدأت منذ ما بعد الطائف. كان من المفترض أن تحصل أول انتخابات نيابية بعد الطائف في ربيع العام 1994 بعد أن يكون بدأ سحب الجيش السوري من لبنان في العام 1992. في هذه المرحلة في 6 أيار 1992 سقطت حكومة الرئيس عمر كرامي في الشارع. اتهمت سوريا “القوات اللبنانية” بالتنسيق مع الرئيس رفيق الحريري بإسقاطها وبمحاولة الإنقلاب على عهد الوصاية السورية في لبنان فكان القرار بإجراء الإنتخابات النيابية في صيف العام 1992 بمن حضر. كانت “القوات اللبنانية” تخوض حرب الممانعة وإعادة التنظيم وكان من المفترض وفق حسابات تلك المرحلة أن تكون انتخابات صيف الـ1994 مثل انتخابات ربيع الـ2005. ولكن الخطة السورية كانت واضحة: “حزب الله” وحده يملك السلاح في لبنان، الأجهزة الأمنية مسخّرة لتأمين ضبط الشارع المسيحي وقمعه، إنتاج طبقة سياسية جديدة تكون مؤيدة بالكامل للنظام السوري، تطويق بكركي، حل حزب “القوات اللبنانية” واعتقال الدكتور سمير جعجع، جعل رئاسة الجمهورية وكأنها بمثابة تعيين محافظ على محافظة سورية. من هنا يمكن فهم ما حصل مع “القوات اللبنانية” في العام 1994. ومن هنا يمكن فهم ما يحصل مع الدكتور سمير جعجع اليوم.
البطريرك بشارة الراعي الذي اعتبروا أنه سيشكل انقلابا على مرحلة البطريرك صفير وضعوه في خانة الإتهام. أراد البطريرك فتح الطريق إلى انتخاب رئيس للجمهورية ومنع حصول الفراغ. جمع الأقطاب الموارنة في بكركي وتم التعهد أمامه بتأمين انتخاب الرئيس وبقبول النتائج. عندما حان وقت الجد اعتبروا أنهم لم يتعهدوا بشيء وأنهم لم يوافقوا على تأمين النصاب. تعاطوا مع البطريرك الراعي كما كانوا يتعاطون مع البطريرك صفير. لولا حسابات معركة رئاسة الجمهورية لما كانوا انتظروا اتهامه بالعمالة بسبب قراره زيارة الأراضي المقدسة.
في العام 1988 طرح الدكتور سمير جعجع شعار “حكومة الإستقلال”. وفي العام 1992 سعى إلى تجديد الإستقلال عبر انتخابات نيابية يبدأ معها تطبيق الطائف الحقيقي. اليوم المعركة هي معركة رئاسة جمهورية متحرّرة من الوصاية. بينما قوى 8 آذار تريد أن تقف في وداع الجمهورية وأن تحوّل قصر بعبدا إلى قصر مهجور يسكنه الفراغ.