يرّن جرس المُنبّه في غرفة العماد ميشال عون، إنها السادسة صباحاً. يفتح الجنرال عينيه، يتثأب وهو يُلقي نظرةً سريعة الى روزنامة مُعّلقة فوق سريره: إنه الأول من نيسان 2014. اسابيع قليلة تفصلنا عن بدء السباق نحو بعبدا! ولكن، عوائق كثيرة تحول دون فوز الجنرال بالسباق، اولها تأمين 65 صوتاً.
الجنرال لا يثق ببعض الكتل النيابية داخل “8 آذار”، يلزمه إذاً استدراج كتلة نيابية كبيرة من خارج “8 آذار”.
تاريخ الأول من نيسان كان كافياً بحدّ ذاته، حتى يوحي للجنرال بفكرةٍ لامعة. نهض مسرعاً امام المرآة، قال امامها: “انا التوافقي”، أجابته: “التوافقي انا”!!
نام الجنرال في 31 آذار على “الإبراء المستحيل”، و”مدرسة الحريري هي اسوأ مدرسة” و”المستقبل هي اوسخ جريدة” و”بعض الفتية يستطيعون إحراق سوليدير”، ثم استفاق في 1 نيسان على “التوافقية” و”ما في نوا إلاّ سوا”!!
هكذا بكل بساطة صارت الحياة وردية جميلة، فلا سلاح غير شرعي يُعكّر صفاء الأمن والإقتصاد والسياسة في لبنان، ولا تورّط عسكري خارج الحدود يستجلب اللاجئين والتفجيرات والفوضى الى داخل الحدود، ولا ابتزاز و”7 ايار” وقمصان سود واغتيالاتٍ ممنهجة “تتسلبط” على العمل الديمقراطي، وتعتدي على الحياة السياسية في لبنان!
قال العماد انه “توافقي”، فهطلت النِعم، وفاضت الأرض بالخيرات، وقال لنا الكريم خذوا!
“تعطيل انتخابات 1988” كان المثال الأول على “التوافقية”، “حرب الإلغاء الأولى” كانت المثال الثاني، “قصف الأطفال في الأونيسكو” المثال الثالث، “حرب الإلغاء الثانية” المثال الرابع، “محاولة تعطيل عمل المحكمة الخاصة بلبنان” المثال الخامس، “إسقاط الحكومة” المثال السادس، “التحريض على اقتحام السراي” المثال السابع، “قطع الطرق في 23 كانون” المثال الثامن…
إذا كانت “التوافقية” على هذا المثال، فالأكيد ان “التصدامية” ارحم منها؟!!
لم يُعرف عن العماد ميشال عون طيلة حياته السياسية والعسكرية، أنه كان من أنصار “التوافقية”، إلاّ في الفترات الزمنية القصيرة التي تسبق الإستحقاقات الرئاسية مباشرةً.
البحث عن التوافقية الحقّة في مسيرة الجنرال، قبل الاستحقاقات الرئاسية وبعدها وخلالها، هو كالبحث عن إبرةٍ صغيرة في كومة قشّ كبيرة!
قال العماد عون في “التوافقيين” و”الوسطيين” ما لم يقله مالك في الخمرة. ومع ذلك فهو لا يجد حرجاً اليوم في التربّع على رأس مائدة “التوافقيين”، وشرب كأس “التوافقية” مقفّى، ولكن من دون ان يدعوه احد الى الجلوس!
فجأةً قرر العماد عون أنه “المرشح التوافقي”المنشود. هو لم يقم بأي خطوةٍ فعليةٍ ملموسة تُثبت هذا الإدعّاء. لم يُعطِ الجنرال احداً الفرصة، ولا حتى المساحة الزمنية الكافية، لإختبار مدى جديّة “توافقيته”.
لماذا لا يُثبت الجنرال حسن نواياه “التوافقية” من خلال التكفير عن تاريخه الصدامي الطويل، فيؤمن النصاب ويُصوّت بورقةٍ بيضاء حتى إتمام الإستحقاق الرئاسي الحالي، ثم فليصبر قليلاً حتى الإستحقاق الرئاسي المقبل، ليعود ويطرح نفسه مرشحاً توافقياً موثوقاً، لا شائبةً تشوب توافقيته؟
اراد الجنرال، بكل بساطة، فرض “توافقيته” على طريقة “نفّذ ثم اعترض”، وتمريرها خلسةً، دون إثباتٍ ولا تدقيق ولا انتظار، على طريقة الأحكام البعثية العرفية، واراد رفعها شعاراً مُجوفاً، يخفي خلفه عقوداً من اللاوفاق واللاتوافقية واللامسؤولية الوطنية.
الجميل في “توافقية” الجنرال انها تنطلق من وراء الأطلسي، وتقطع الصحراء العربية، وتمر فوق خوزستان وخرمشهر قبل ان تحط رحالها في قصر بعبدا، ولكن من دون ان تمرّ مرور الكرام حيث يجب ان تمّر.
دول العالم برمتّها تُشدد على “لبننة” الاستحقاق الرئاسي، امّا المُرشّح “التوافقي” فيريدها “تعيينات” رئاسية عربية غربية فارسية روسية صينية… ابشروا وانعموا!
“التوافقية” الإسمية للمرشح “التوافقي” الصِدامي، تصلب، وترجم ميشال سليمان كل يومٍ الف مرّة، لا لشيء إلاّ لـ توافقيته!
قبل استحقاق العام 1988 حاول العماد عون تسويق “توافقيته” لدى القيادة السورية واوكل الى صديقه في المعسكر السوري، رياض رعد، هذه المهمة.
فشلت “التوافقية العونية” في تحقيق هدفها الرئاسي عام 88، فعادت “التعطيلية العونية” لتتغلّب عليها تصديقاً للقول المأثور “الطبع يغلب التطبّع”.
عُطلّت جلسات انتخاب الرئيس، وشغر موقع الرئاسة لأكثر من سنةٍ دمويةٍ كاملة، كان العماد عون في خلالها يستدرج عروض اسعار “توافقيته” بطرقٍ جديدة؛ تارةً من خلال ضرب الذراع العسكرية المسيحية، وتارةً اخرى عبر غسل يديه من “حرب التحرير” وتشبيهها بـ “التنفيسة”، وطوراً من خلال التعهّد علانيةً بـ “تأمين المصالح الحيوية للنظام السوري في لبنان”، حتى قبل ان تجّف دماء ابطال “ملحمة سوق الغرب” في 13 آب 1989!.
ليست المشكلة في ان يُطلق بعض الصداميين على انفسهم صفة “توافقيين”، وإنما في ان يُصدّق هؤلاء اكذوبتهم.
وليس الحّل في ان يصدّق هؤلاء اكذوبتهم، وإنما في ان ينجحوا بإقناع الغير بصّحة هذه الأكذوبة.