#adsense

…إلى رصاصة الرحمة

حجم الخط

ظلّ تسع سنوات يحفر تحت قدميه، بدون أن يدري.

وحين نصحه ناصح قبل أسابيع بوقف الحفر، ومحاولة الخروج من حفرته، للانفتاح على غير “حزب الله”، كي يكون له أمل في الرئاسة، لم يذهب إلاّ في اتجاه واحد: سعد الحريري حامل مفاتيح قصر بعبدا، كما أوهموه.

ميشال عون نسي، أو جعلوه ينسى، أنّ الرئاسة الأُولى تمرّ بقوى كثيرة، من بينها بالتأكيد “تيّار المستقبل”، ولكنّه لم ينتبه، أو جعلوه لا ينتبه، أنّ الطريق إلى بعبدا غير معبّد بالنيّات السيّئة، كما الطريق إلى الجحيم بالنيّات الحسنة!

ليس تفصيلاً أن يكون الطامح إلى الرئاسة متصالحاً مع نفسه أوّلاً، فلا يتنكّر لماضيه وشهداء حروبه ومقامراته ورعوناته، ومتصالحاً مع أهل بيته ثانياً، فلا ينكأ جراحهم وينفث عليهم حقده، ولا يتنكّر لالتزاماته وتواقيعه معهم في صرح مرجعيّتهم بكركي.

خرج من الحفرة التي أوقعه فيها جموحه إلى الكرسي، وسعى إلى كسب ودّ من عاداهم وشنّعهم زمناً، فوقع في حفرة أُخرى أشدّ أذى وأكثر عمقاً. خسر القريب ولم يربح البعيد. وصحّ فيه المثل: لقد جَنَت على نفسها براقش.

ولكنّ الأمر يبقى أقلّ إيلاماً، في احتساب أخطائه الشخصيّة وفشله المتكرّر، عسكريّاً ثمّ سياسيّاً وأخلاقيّاً، منذ ربع قرن، إذا ما قيس بالطعنة الخطيرة التي تعرّض لها ممّن أعطاهم توقيعه على بياض، وسلّم لهم بكلّ شيء، في السياسة والسيادة والسلاح والإدارة والتهريب والفساد وقرار الحرب والسلم وشنّ الحروب في كلّ اتجاه.

ومن حيث لا يدري، جرّه شريكه في “التفاهم” إلى فخّ قاتل، بعينيه المفتوحتين أو المغمضتين، لا فرق. إستغلّ مناسبة “عيد التحرير” كي يستنطقه على منبره الاعلامي، ويأخذه إلى جنّة حلمه الضائع.. بـ”السلاسل”!

لا أحد كان يستطيع توقّع مدى انهيار عون أمام سائليه، واستدراجه إلى قول ما ضبط نفسه عنه طوال أسابيع، وحرصه على عدم الخروج إلى الإعلام في “ثلثاءاته” الناريّة الشهيرة، لئلاً يسقط في شرك لسانه “الدافىء” على عتبة الاستحقاق – الحلم. ففاجأه “شريكه” بهذا الشرك على “مناره”.

ثلاثة محرّمات – محاذير سقط فيها هذا الحالم بالكرسي الأُولى:

1 –  إختصاره الدستور والدولة والمؤسّسات والوطن بمثلّثه المقفل الأضلاع، والذي يؤسّس لمثالثة طالما كافحها المسيحيّون ومعهم الحريري نفسه، غير عابىء بدور مكوّنات أُخرى كالطائفة الدرزيّة مثلاً.

2 –  إعتباره الجيش مجرّد ظهير أو رديف لحماية ظهر “المقاومة” بتوفير الأمن الداخلي، سواء حاربت ضدّ إسرائيل أو ضدّ الشعب السوري، وربما من اليمن إلى البحرين وبلغاريا وأفريقيا والأميركتين…

3 –  تكريسه الثلاثيّة المدمّرة(جيش وشعب ومقاومة)، التي كافحها المسيحيّون و14 آذار بكلّ إصرار وقوّة. إضافةً إلى أُمنيته بالصحّة والعمر الطويل ل”السيّد” كي يُكمل مشروعه “الكبير” في لبنان وسوريّا وسائر المشرق!

سقطة مدوّية سقطها الذي يطرح نفسه “وفاقيّاً وتوفيقيّاً وتوافقيّاً”، أو خشبة خلاص للبنان. فكيف سيقبل به سعد الحريري كمرشّح وفاقي وهو يحمل إليه مشروع “حزب الله” كاملاً، ويطرح عليه الانضمام إلى ورقة “تفاهمهما” الخطيرة، كمنّة منهما، أو كجنّة لا يدخلها إلاّ أهل الحظوة الحسينيّة الموسويّة المهدويّة؟!

قد تكون أُذن ميشال عون بعيدة عن فمه، فلم يدرك خطورة ما قاله، والخطورة عليه قبل سواه. ولن يدرك ذلك إلاّ بعد فوات الأوان. ولا تُنقذه محاولات بطانته لتبرير وتفسير ما لا يُبرَّر أو يُفسَّر، ولا التوضيحات التي سيخرج بها هو نفسه قريباً لتدارك خطيئته المميتة.

ولكنّ “حزب الله” لا يُمكن أن يكون بريئاً من توريط عون في ما أعلن والتزم. سَحَبَه إلى حيث يريد. ألزمه ببرنامج رئاسي لا يُمكن تسويقه لا في لبنان ولا لدى العرب والعالم. فيكون بذلك قد قضى على آخر آمال هذا المهجوس بالرئاسة بأيّ ثمن.

“حزب الله” غير بريء من دم هذا الغريق.

كان هناك احتمال لخروجه من الحفرة، ولتعويمه من اللجّة التي وقع فيها.

لكنّ رصاصة الرحمة من الحليف اللدود كانت أسرع.

ففي الحروب يسقط كثيرون بنار صديقة.

فكم تكون النهاية صاعقة إذا سقط القتيل، بين نارَيْن: ناره الشخصيّة ونار حليفه!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل