لا أنكر، بل أفاخر بإعجابي بالأداء الرئاسي للعماد ميشال سليمان، علماً أني لم أكن يوماً من أنصاره ولا من المقربين، ولم تكن تربطني به أي صلة، قبل أن يحصل اللقاء التعارفيّ الأول يوم دخلت القصر الجمهوري للمرة الأولى بعد أن غادرته في 12 تشرين الأول 1990 قبل ساعات قليلة من الاجتياح العسكري السوري.
أتذكر، وأنا أكتب هذه الأسطر كيف أبكاني ذلك اليوم الخريفي المشؤوم، وأنا في الخامسة عشرة من عمري، لحظة خروج العماد ميشال عون من «قصر الشعب».. وهنا لا بدّ من الاعتراف أن اتفاق الدوحة الذي تُرجِم بدخول سليمان وليس عون إلى ذاك القصر رئيساً، عاد وأبكاني من جديد كوني لطالما رأيت في الرئاسة بعد خروج جيش الاحتلال، حقاً حصرياً لجنرال أحلامي.
وعلى قاعدة الامتحان الذي يُكرم من خلاله المرء أو يُهان، لا بدّ من هذا الاعتراف الموثّق، إن مواكبتي لتجربة العماد ميشال سليمان الرئاسية، وعلاقة المودة التي جمعتني بفخامته في النصف الأخير من العهد، علّمتني أنّ الاعتدال هو أقوى قوة على هذه اليابسة.. تركيبة نبوية جعلت من صلابة الرجل الدمث، الذي لا يملك صفّارة الحَكَم، قوياً باعتداله وحبر توقيعه وصلابته المنحازة للدستور اللبناني.
ميشال سليمان بنظري هو مزيج من دستورية فؤاد شهاب، أخلاق الياس سركيس وعنفوان بشير الجميل، حتى لو اختلفت الطِباع وطريقة التعبير.
ففي عصرنا هذا، وبخاصةً في لبنان، يدخل الرئيس إلى قصره على أنغام قرع الطبول والزغاريد والأناشيد وإطلاق الأعيرة النارية ونثر الورود ابتهاجاً بوصوله، ومن ثم يُغادر لحظة انتهاء الولاية العادية، أم الممددة بفعل الاحتلال السوري، على نفس الأنغام، فَرَحاً وغبطةً برحيله.
مع ميشال سليمان تبدّلت هذه الصورة الموروثة من رئيس إلى آخر.. دخل العماد قائد الجيش قصر بعبدا بإجماع وطني ودولي ما بعد السابع من أيار، وها هو يُنهي عهده بنفس الإجماع الدولي والإشادات من مختلف الشرائح المجتمعية.
أما «الضرورة الوطنية»، وهي الحاجة المُلِحّة التي كان من المفترض أن تبقيه رئيساً لألف سبب وسبب، فقد أتت في نقاشات الكلّ، (ديبلوماسيين – روحيين – زعماء – مقربين) إلا صاحب الشأن، «فؤاد شهاب 2014» يرفض المطلب الشعبي شبه الجامع ولا تدغدغه التلميحات، يعلم جيداً أن رصيده الرئاسي يكفيه لأن يفعل خارج القصر ما لم تساعده الظروف على تحقيقه من الداخل.
فمع هذا الرئيس تحديداً، يستطيع أي مراقب أن يُشاهد من دون عناء، صورة القوة التراكمية لموقع الرئاسة بعكس غالبية العهود التي تبدأ مزخَّمة وما تلبث أن تنتهي باهتة، فاقدة رونقها وعناصر قوّتها المُستمدّة من جنّة الحكم وأحلام الحالمين وأطماع الطامعين. مع الرئيس سليمان تكمن القوة في صلابة الموقف السياديّ والمعتدل في آن، المُستنِد غالباً لأحكام المستشار الأول والصديق الأقرب إلى قلب الرئيس، عنيت الدستور اللبناني.
أما بعد، فالغاية الأساسية من هذه السطور، ليست إلّا ترجمة للشعور بالفخر بهذه القامة التي واجهت مرحلة دقيقة وصعبة وأخرجت لبنان من أتون الانزلاق في الجحيم القادم من خلف الحدود.. مسيرة ناصعة لم تُشبع طموح الكثيرين لأسباب معلومة وخارجة عن إرادة الجميع، لكنها بالتأكيد تأسيسيّة ومُبشِّرة بإعادة ترميم البناء المُخلّع. هذا البناء المحاط بإسرائيل وأطماعها من جهة، وسوريا بنظامها الحاقِد وبركانها المُشتعل من جهة أخرى. بين دولة ثيوقراطية لا تتقبل فكرة التعايش بين اللبنانيين وأخرى ذات نظام بوليسي لم يتقبل يوماً حريّة التعبير منذ إعلان لبنان الكبير سنة 1920.
إنه قدر الـ10452 أن يعيش مآسي الغير، ويكون ساحة للصراع العالمي. هذا اللبنان «الأكبر من أن يُبتلع والأصغر من أن يُقسَّم»، الشاهِد في عهد سليمان على ثورات الشعوب ببياضها وأسودها، بقدسيتها والشياطين، بسلبياتها والإيجابيات، من تونس ومصر مروراً بليبيا وصولاً إلى سوريا وأوكرانيا.
ليس بالأمر العادي أو العابر للسبيل، أن يتفرج المرء بالعين المجرّدة على مرحلة خلط الأوراق العالمية، ولا حتى على رحيل رؤساء الدول المجاورة، واحدهم تلوَ الآخر، من دون أن يُعجب بسلوكية رئيس جمهورية من خامة العماد ميشال سليمان، الماروني الوحيد في هذه الجغرافيا المشتعلة، الذي استخرج من ضعف الموقع قوّة، بالإمكانيّات المتوافرة دستوريّاً وحراجة الظرف أمنياً، سياسياً واقتصادياً.. فكان «إعلان بعبدا»، وثيقة تأسيسية سيذكرها التاريخ، ويرثها السلف مع سلسلة من الثوابت التي لن يُفلِح أي رئيس، أيّاً كان لونه، في التنازل عنها تحت أي ذريعة، وكانت الهبة السعودية غير المسبوقة لدعم الجيش اللبناني تتويجاً لجهود القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ليس سهلاً في زمن التحولات والتسويات السحرية و«الغموض الشرق أوسطي» أن يُنهي رئيس جمهورية لبنان عهده، وعيون العالم العربي والغربي في آن، شعوباً ورؤساء، شاخصة إلى رصانة فوق العادية في التعاطي مع أمور غير عادية وغير معتادة.
إنها قراءة تستحق المتابعة لنسأل معاً، كيف لهذه القامة السياديّة التي زادتها التهديدات إصراراً على إنقاذ ما أمكن إنقاذه في ذروة اللهيب الكبير، أن تُنهي العهد وتغادر القصر بهذا الكم من الكرامة الوطنية، بأقلّ من زعامة لبنانية ديموقراطية واعدة يُقال فيها: «بداية عصر».