قليلون هم الرؤساء في العالم العربي عموماً، وفي لبنان على وجه الخصوص، الذين ينهون ولايتهم وهم على مقدار الاحترام نفسه الذي كانوا يتمتعون به عندما وصلوا إلى سدة الرئاسة، إن لم يكن أكثر. والرئيس العماد ميشال سليمان واحد من هؤلاء. صحيح أنه وصل إلى بعبدا قبل ست سنوات نتيجة اتفاق الدوحة الذي حظي بدعم عربي ودولي، ورعاية من الوصاية السورية آنذاك، لكنه كان محلّ مطالبة شعبية أيضاً إذ إن سجله العسكري الناصع، غير الملوث بصفقات، وقيادته معارك الجيش في وجه الإرهاب والتطرف في «نهر البارد» شاهد على ذلك، وحكمته في التصرّف مع الشعب اللبناني خلال اليومين الشهيرين في 8 و14 آذار 2005، تدلاّن على مدى تعقّله ووضع مصلحة اللبنانيين فوق كل اعتبار، ما جعل اللبنانيين يرحّبون بوصوله إلى بعبدا.
سيتمتع الرئيس سليمان لليوم الأخير بلقب فخامة الرئيس، واعتباراً من الغد سيصبح فخامة الرئيس السابق، لكنه سيبقى في وجدان اللبنانيين ذلك الرجل الشجاع الذي قاد سفينتهم في بحر من الأنواء بحكمة قلّ نظيرها، جنّبهم الغرق وأوصلهم إلى برّ الأمان. سيذكره اللبنانيون بالخير لأن ما سيكونون عليه بعد ميشال سليمان مجهول، أو على الأقل مفتوح على جميع الاحتمالات.
لقد اختبر اللبنانيون الشغور في موقع الرئاسة في العام 1988 عقب نهاية عهد الرئيس الأسبق أمين الجميل، فدخلت البلاد في أتون النيران التي أشعلتها حربا «الإلغاء» و«التحرير» ولم تهدأ الأحوال إلا مع انعقاد مؤتمر الطائف الذي أرسى قواعد السلم الأهلي وحدّد المعايير التي يجب أن تكون عليه البلاد على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب». ثم عادوا واختبروه مرّة ثانية في العام 2007 مع نهاية العهد الممدّد والمشؤوم للرئيس السابق إميل لحود، فاشتعلت النيران مجدّداً وحاول أصحاب السلاح الاستقواء على باقي اللبنانيين من دون أن يعتبروا من حكمة «الشغور الأول» فكانت غزوة بيروت في السابع من أيار 2008 ثم محاولة التسلّل الفاشلة والمكلفة إلى الجبل في 11 أيار، فجاءت الوساطة القطرية وانعقد مؤتمر الدوحة الذي أوصى بانتخاب الرئيس سليمان رئيساً «توافقياً» للبنان.
ويعيش اللبنانيون اليوم الفراغ نفسه وهم يخشون أن يؤدي إلى اهتزاز أمني يقود البلاد إلى الخارج مجدّداً التماساً لانتخابات رئاسية ستوصل في نهاية الأمر شخصاً «توافقياً» إلى سدة الرئاسة عملاً بالقاعدة الذهبية نفسها التي أطلقها الرئيس الراحل صائب سلام «لا غالب ولا مغلوب».
لقد انطلق عهد الرئيس سليمان واللبنانيون يأملون أن يحقق هذا الرئيس «العسكري» طموحاتهم بالعيش الكريم والاستقرار الأمني والرخاء الاقتصادي، وكل هذه الآمال كانت لتتحقّق خصوصاً أن بداية العهد شهدت تشكيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي حظيت بثقة 100 نائب من أصل 107 نواب شاركوا في جلسة الثقة، في تعبير واضح وصريح عن الالتزام باتفاق الدوحة. ثم شكّل الرئيس سعد الحريري الحكومة الثانية وكانت الأمور تسير بشكل طبيعي والأمن «ممسوك» والنمو الاقتصادي يسجّل أرقاماً مرتفعة، ما عزّز الشعور الشعبي العام بأن البلد يستعيد إلى حد ما ماضيه الناصع وأمامه «مستقبل» مشرق.
غير أن الطموحات الشخصية عادت لتطغى على المصلحة الوطنية العليا، فاجتمع وزراء فريق الثامن من آذار في الرابية وقدّموا استقالة جماعية من حكومة الرئيس الحريري الذي كان يزور البيت الأبيض في حينها ويجتمع إلى الرئيس باراك أوباما، استتبعها النائب ميشال عون بجملته الشهيرة «وان واي تيكت»، في خطوة يجمع المراقبون السياسيون على أنها كانت بداية الحملة التي يريدها عون للوصول إلى قصر بعبدا.
واستكمل الانقلاب على حكومة الرئيس الحريري بانقلاب القمصان السود الذي أوصل الرئيس نجيب ميقاتي وحكومته ذات اللون الواحد إلى السرايا، كل ذلك والرئيس سليمان يعبّر عن امتعاض شديد ومعارضة شرسة لهذه الخطوات «غير المدروسة» التي خشي أنها سترتّب على لبنان نتائج «وخيمة». وصدق حدس الرئيس سليمان لكن حسابات الحقل لم تتناسب مع حسابات البيدر بالنسبة للانقلابيين، فانطلقت الثورة السورية في آذار 2011 وأقحم «حزب الله» نفسه فيها، ما جرّ على لبنان واللبنانيين ويلات كثيرة، فتوقفت خطوات استكمال الانقلاب على الدولة والدستور واستقالت حكومة ميقاتي بعدما أطاحت بكل الإنجازات التي تحققت على يد الحكومتين اللتين سبقتاها، وبدأت مرحلة التدهور الأمني والاقتصادي والمعيشي تتفاقم.
وفي خضم هذا المأزق، اتفق نواب الأمة على أن يشكّل الرئيس تمام سلام حكومة «المصالحة الوطنية» التي طالت فترة انتظار ولادتها عشرة أشهر ونيف بسبب «الأصابع المرفوعة» والمطالب «المستحيلة» بالحصص والتقسيمات، قبل أن تعود وترسو على الصورة التي خرجت عليها وعلى قاعدة «لا غالب ولا مغلوب» وإن كان تمثيلها ناقصاً لاستبعاد حزب «القوات اللبنانية» عنها.
واليوم يمكن القول إن الأمور عادت لتستقيم، فأنجزت حكومة الرئيس سلام خلال شهرين ما عجزت حكومة ميقاتي عن إنجازه خلال ثلاث سنوات، وأدى الرئيس سليمان دوره كـ«حكم» بأمانة وترفّع وها هو ينهي عهده على أفضل صورة يمكن أن ينتهي بها. إلا أن «النغصة» الكبرى هي أنه لن يستطيع تسليم الأمانة إلى خلف يستكمل ما بدأه وسبب ذلك «الطموحات الشخصية» التي تجنح في اتجاهات لن يقوى لا البلد ولا صاحبها على تحمّلها.
أمضى الرئيس سليمان نصف عهده وهو يحاول إصلاح «ذات البين» والنصف الثاني في تحقيق إنجازات ستبقى تحسب له ولعهده مهما كره الكارهون. عهد الرئيس ميشال سليمان في البال، ولن يغيب. لن نقول للرئيس سليمان غداً وداعاً، بل سنقول إلى اللقاء في ساحة الوطن.. وعلى مساحة الوطن.