
تبقى الكرسي خاوية. من ينظر اليها يعرف انها وقبل الرحيل عاشت الرحيل. هو الحنين الذي لا ينتظر حين تدق ساعة الفراق ليصفّر، بل يصفّر حتى قبل أن تلعب الريح بالمكان وتحوّله الى خواء بارد.
في المرة السابقة، كانت تنوء بجالسها. قُصم ظهرها، اشتاقت الى حالها والى منابعها بعدما جفّ فيها عطر الكرامة. أكرمها الزمن، فجاء من يعوّض لها ضيق الحال وعشق الحرية، جلس اليها رئيس أخافها بداية، ولكنها ما لبثت أن عرفت أن الرجل يهادن، يهادن وليس أكثر علّه يجنّبها المحظور المتوقع الذي آلت اليه الان بعد رحيله.
من زمان، من زمان كثير لم نزعل لانتهاء ولاية رئيس، على العكس، تعوّدنا أن نهلل اذ كل مرة كنا نعتبر أن الآتي أفضل، واذ بالاتي يجعلنا نترحّم على من سبقه. قبل الرئيس سليمان ياما وياما ترحّمنا على الرئيس الياس الهراوي، الذي قالها مرّة في أحد مجالسه “رح تترحّموا على ايامي”، لانه عرف، هو المشهور بطرافته ولسانه المتفلّت احيانا من الادبيات والبروتوكول، ان الآتي من بعده لن يترك حفرة، مجرد حفرة، الا ويسلّمها للاحتلال السوري فكيف بالبشر.
الثالثة الا الربع خرج الرئيس سليمان من قصر بعبدا، كان مبتسما، لا ينوء بحمل التبعية ولا الانحناء، والاهم، اللعب بمصير لبنان. منتصب القامة مرتاح الوجه وان كان يشوبه قلق عميق واضح، أمسك بيد زوجته وذهبا الى قلوب الناس، هذه نادرة في الحياة السياسية اللبنانية.
قبل ست سنوات، خرج رئيس من ظلام دامس تلاحقه آلاف اللعنات، وقلوب أربعة مليون لبناني تنتظر اللحظة المنتظرة، اي أفول سيارته عن المشهد السياسي اللبناني العام، كانت لحظة مجيدة رغم اليقين أن ما سيليها ومهما كان صعبا وقاسيا، لن يكون أصعب واقسى من بقاء رئيس مماثل، حتى لو احتل الفراغ الكرسي سنوات وسنوات. الآن اختلف المشهد كليا، انطلقت سيارة الرئيس السابق، واحتل الخوف المكان.
في ضميرنا كنا نريد له أن يمدد، وفي التزامنا للدستور اللبناني، كنا لا نريد له أن يمدد كي لا نخسر نظرة الاحترام له. وفعل ما توقعنا. عندما جيء به رئيسا توافقيا بعد ذاك الـ 7 آيار ومؤتمر الدوحة والحكاية اياها التي تعرفون، خفنا من الرجل، جنرال قائد للجيش، يا للهول، هي تجربة العسكر مرة أخرى، وفي المرتين السابقتين لم تبق مصيبة الا وحلّت بنا، والمصيبة الاكبر تلك الصفة المدمرة “توافقي”!!
بدأ العهد الجديد وبدأ الرئيس يدوّر الزوايا مع “حزب الله” دائما، مع ميشال عون غالبا، ذهب الى الحوار، تحدّث عن المقاومة وأهميتها… خفنا، خفنا كثيرا منه، اعتبرنا ان الرئيس يتماهى مع الحزب على حساب كرامة الجمهورية، بدأت أحداث أمنية من هناك وهنالك، بدأت نبرة الرئيس تعلو، هي حدة الخوف عمليا كانت ترتفع لديه، جاء الحدث الامني المدوّي، اكتشاف شبكة ميشال سماحة – علي مملوك، غضب الرئيس، وجه سؤالا مباشرا لبشار الاسد “لماذا ترسل التفجيرات والمجرمين الى لبنان؟” لم يفعلها رئيس قبله. غضب “حزب الله” ورفاقه “الوطنيون” الكبار، لم يكترث. المزيد من الاحداث الامنية الدموية تجتاح البلاد بسبب التدخل العسكري للحزب اياه في سوريا، رفع الرئيس الصوت عاليا بعدما اكتشف ولمس بشكل عنيف وصارخ، ان الصوت المنخفض والمهادنة والمغازلة والغناج ما عادت تنفع، والبلاد الى الهاوية، صرخ في العالي “ماذا تفعلون في سوريا عودوا الى لبنان، صار لازاما التحدث جديا بالاستراتيجية الدفاعية، آن للبنان ان يتحول الى جمهورية تأخذ قرار الحرب والسلم بنفسها وليس الميليشيات المسلحة على جنباتها”…
وكبرت سلسلة الغضب “الالهي” منه، وخصوصا خصوصا عندما وصف معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” ب “المعادلة الخشبية”، كانت قمة المواجهة بين رئيس البلاد وميليشيا الحزب… ووقف الشعب بغالبيته الى صف الرئيس، الشعب المنهك من السلاح والحروب، والاهم، الشعب المنهك من الجمهورية الضعيفة والرؤساء غير الرؤساء…
انطوت الصفحة، خرج الرئيس سليمان من القصر الى قلوب اللبنانيين مباشرة، لم يحضر هؤلاء حفل وداعه، لا جماعة الحزب ولا من حاربه منذ لحظة اعلان اسمه في الدوحة حتى لحظة رحيله عن القصر، أي النائب ميشال عون، كما لم يحضر الرئيس نبيه بري رغم انه قلّد عقيلته امس وساما! لكن يكفي الرئيس سليمان ان لبنان كان كله في قصر بعبدا يودّع رئيسا بدأ عهده مهادنا وانهاه مواجها شرسا عندما علم أن المهادنة قد تصبح غالبا مشاركة في قتل وطن، في نحر جمهورية، وهو اختار أن تعيش الجمهورية وتحيا كرامة الوطن…
ذهب الرئيس وبقيت الكرسي في مهب المجهول…
تحية للرئيس، والقلب هناك عند الكرسي العابق بالخوف والظلام…
