أما وقد وقع «المحظور»، بخلو موقع الرئاسة لتعذر انتخاب رئيس للجمهورية قبل انتهاء المهلة الدستورية في 25 أيار الجاري، فحري باللبنانيين ألا يقفوا فقط أمام الأسباب والدوافع التي أدت الى شغور المنصب (أو فراغه لا فرق!)، وبالتالي الى ما يمكن أن تأتي به الأيام وربما الأشهر المقبلة، بل أن يعودوا بالذاكرة أيضاً الى ما اختبروه في تجربتين مماثلتين سابقتين ولا يختلف كثيراً عما يشهدونه في المرحلة الحالية.
في ما يتعلق بالفترة القريبة، وربما حتى المتوسطة أو البعيدة، لا حاجة للقول ان تغيراً جذرياً في المواقف من الرئاسة، ومن هوية الرئيس العتيد، لا يبدو وارداً في المدى المنظور. واذا أضيفت الى ذلك الأوضاع السياسية الملبدة وغير المستقرة في المنطقة، من سوريا الى ايران والعراق فضلاً عن مصر وليبيا، فإن ما يتحدث عنه اللبنانيون تحت عنوان «كلمة السر» التي تأتي من الخارج(ولم تأت حتى الآن؟!) يمكن ألا تأتي في خلال هذه الفترة، بل ويمكن ألا تأتي أبداً.
وليس من المبالغة في شيء، ولا حتى من قبيل الاتهام، القول إن الفريق الذي يحمل كنية 8 آذار(وبخاصة قائده «حزب الله») ربط دائماً بين حروبه الكثيرة والمتنوعة، مذهبياً وعسكرياً وأمنياً، في الخارج ومعاركه السياسية في الداخل اللبناني. وعندما قال الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، قبل شهور، انه وفريقه سيكونان أقوى بعد انتهاء المفاوضات النووية بين ايران والدول الست الكبرى في العالم، كما سينتقلان الى مرحلة جديدة بعد الانتصار الكامل لحليفهما بشار الأسد، فلم يكن يكشف سوى هذه الحقيقة.
هل يعني غير ذلك رفع صور للأسد عشية انتخاباته المقررة بعد أسبوع، وأخرى لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بعد فوز كتلته في الانتخابات النيابية، في العديد من المناطق التي يسيطر عليها الحزب في الضاحية والبقاع والجنوب؟.
ثم ماذا يعني أن يعود قادة الحزب ونوابه، بعد موافقتهم على اسقاط ما يسمونه «الثلاثية الذهبية» من البيان الوزاري لحكومة الرئيس تمام سلام، الى نغمة التمسك بها في كل ما يتعلق بانتخابات رئاسة الجمهورية وبالصفات التي يرون وجوب توفرها في المرشح للمنصب، فضلاً عن اعلان أحدهم أن لا رئيس للبنان اذا لم يكن ترشيحه مرتبطاً بالتزام هذه المعادلة…وبعدم التراجع مهما كانت الظروف(تلميحاً الى الرئيس ميشال سليمان) عن هذا الالتزام؟.
هذا بالنسبة لارتباطات الحزب وحروبه الخارجية والعلاقة بينها وبين الانتخابات الرئاسية في لبنان. أما اذا كان صحيحاً ما يقال عن توجهه وحلفائه لتعطيل عمل مجلسَي الوزراء والنواب خلال الفترة المقبلة، رداً من وجهة نظر مسيحيي 8 آذار على خلو موقع الرئاسة المسيحي فيما تبقى الرئاستان الأخريان السنية والشيعية تمارسان دوريهما، واعادة تأكيد من وجهة نظر الحزب على طرحه «المؤتمر التأسيسي» لإعادة صياغة الطائف والحياة السياسية في البلاد، اذا تكون الغايات أبعد من انتخاب رئيس…وحتى من شخص المرشح للموقع، وحتى من انتظار الـ«شيء» الاقليمي لتقرير مستقبل لبنان.
ومن هنا بالذات تكتسب العودة الى تجربتَي العام 1988 والعام 2007، وما جرى فيهما، أهميتها الخاصة.
فلم يخلُ موقع الرئاسة في الحالين لولا تشابك المحلي الضيق الأفق، والاقليمي صاحب المصلحة في النفوذ والدور الكبير، والدولي الذي يأكل من الطرفين(هل يختلف الوضع الآن؟)، وأدى في نهاية المطاف الى ما يعرفه الجميع.
وهكذا تم في العام 1988 سد الفراغ بتشكيل حكومة ترأسها العماد ميشال عون، الذي شنّ حربَي «التحرير» و«الالغاء» أولاً، ثم رفض اتفاق الطائف وحلّ مجلس النواب، وصولاً الى اجتياح القوات السورية للقصر الرئاسي بعد انتخاب رئيسَين في خلال أسابيع فقط.
ومن دون تكرار الكلام عن كيفية تنفيذ اتفاق الدوحة، وبدعة «الترويكا» التي نسفته من أساسه ونقلت مركز الحكم من قصر بعبدا الى قصر الشعب في دمشق، لم يختلف الأمر كثيراً في العام 2007 بعد انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود.
اذ كانت الوصاية السورية قد فرضت تمديد ولاية لحود لثلاثة أعوام، بالرغم من رفض ذلك لبنانياً وعربياً ودولياً، ثم انها عمدت عبر حلفائها اللبنانيين الى منع انتخاب خلف له بعد انتهاء تلك الفترة، ولم ينته الأمر بانتخاب الرئيس ميشال سليمان الا بعد «تسوية» محلية اقليمية دولية اتفق عليها في الدوحة.
ومعروفة يومها حكايات اقفال مجلس النواب، واحتلال وسط العاصمة لشهور عديدة، وتطويق مبنى رئاسة الحكومة والتهديد باقتحامه بالقوة، من دون نسيان ما وصف بـ«اليوم المجيد» في السابع من أيار بعد ذلك، فضلاً عما شهدته الدوحة نفسها من «مساومات» محلية واقليمية ودولية أخرجت البلاد من حالة الفراغ.
غنيّ عن القول إن «المحظور» الذي وقع في الخامس والعشرين من أيار العام 2014، لا يختلف كثيراً عن مثيليه اللذين وقعا في العامين 1988 و2007، ولا أساساً عن تشابك المصالح المحلية والاقليمية والدولية الذي وضع لبنان مجدداً أمام ساحة الحقيقة.
وما يبقى هو أن ما لم يدركه اللبنانيون جيداً(ربما لم يدركه بعضهم؟!) في المرتين السابقتين، انما يعلن بصوت عال وبجلاء كامل الآن: أنا هنا.