#adsense

الجنرال محور الكون

حجم الخط

ان عصور التنوير شكلت منعطفاً هاماً اتاح لمفاهيم المعارف الأنسانية ان تتبدل. وقد نالت السياسة نصيبها في هذا المجال، فاصبحت علماً له قواعد وأصول. والعلم هو معرفة الشيء بحقيقته، او المعرفة المنسقة. وهذا يعني ان على السياسة ان تصبح هي الأخرى خاضعة للعقل العلمي وللحقيقة الممنهجة من حيث مقولاتها وموضوعية تحليلاتها وابتعادها عن الذاتية وضغوط الميول.

لكن السياسة على مستوى ممارستها عند مَن يعتبر نفسه محور الكون، لم تصل ابداً الى هذا الحد من الضبط والعقلانية، فقد أظهرت مواقفه الدونكيشوتيّة مدى ابتعادها عن كونها علماً، وبالتالي إقترابها من كونها هَلوسة. فهي ظلت خاضعة للعشوائية الشخصانيّة، فلم تختلف عما كانت عليه في عصور الظلمات وفي مجتمعات ما قبل الدولة. من هنا، كان لا بدّ من لَفت نظر الجنرال المُنبَري الى تَبَوُّء السُدّة الأولى الى ان المدى السياسي في المجتمعات الديمقراطية مختلف نسبياً في حراكه عن الانظمة الاخرى، ولا سيما الانظمة الشمولية التي يتّخذها هذا الطَّامِح مِثالاً. فإخضاع العمل السياسي للعقلانية لا بد من ان يمر في مرحلة تنقيته من مجموعة أوهام، وفي طليعتها الاعتقاد بأن كل من يتعاطى العمل السياسي هو عالم وخبير، يستطيع ساعة يشاء ان يفتي في قضايا الأمة والوطن والشعب، فيحلل ويحرم، ويخوَن ويمنح صك غفران أو شهادة في الوطنية. هذا المشهد الذي يتكرّر مع الطّامِح وسواه عندنا – فكرا وممارسة – هو الأكثر بؤساً وانحطاطاً في تاريخناً.

من هنا يمكن الأستنتاج بأن ما أوصلنا إليه هؤلاء لا يمكن وصفه إلاّ بوضع يسيطر عليه التخلف، لما هناك من استهتار بالقيم، واستخفاف بعقول الناس، وتسطيح لذاكرتهم، وتعويدهم على الوصاية بكلّ أشكالها. لذا، ليست الديكتاتورية وحدها ما يجمَد قدرات الناس كلياً او جزئياً، من خلال الانفراد بالحكم وأقصاء الآخرين عن القرار السياسي العام، إذ أنّ الممارسة السياسيّة المتخلفة لدى بعضهم في الأنظمة التي تتظلل الديقراطية، كما هو الحال مع البعض عندنا، ينتج عنها ما هو أشدَ ضرراً كونها تعمل على تعميم التبعية العمياء التي تولَد الساسة الشخصانيين الذين يعيدون الناس الى أزمنة العبودية وجمهوريّات الموز.

لا بدَ، بعد استعراض هذا الواقع، من طرح إشكاليّة أساسيّة أمام المرشّح الحالِم برئاسة الجمهوريّة، قوامها: هل ينسجم هذا الطّامح – وطموحه مَشروع – في مواقفه وتنظيراته وتحالفاته مع ما يتوق إليه اللبنانيّون من عمل سياسي يجسّد مفهوم السّيادة والكرامة الوطنيّة؟

هل تؤمّن ممارساتُه سيادةَ الدولة غير المنقوصة مع تغطيته لدولة في الدولة وأقوى منها؟

هل تُمَكِّن مواقفه الدولة من أن تبسط سلطانها على كامل مساحة الوطن – وهذا حقٌ مشروع لها – مع اعترافه بوجود غيتوات مقفلة ومحرّمة على سلطة الدولة نفسها؟

هل يتذكّر تأييده لسلاح “حزب الله” أنّه إهانة موصوفة لكرامة المؤسسة العسكريّة التي كان هو بالذات على رأسها، ويدّعي اليوم الدّفاع عنها؟

هل يلتزم هو شخصياً بالثوابت الوطنية، ولا سيما مفهوم المواطنية القائم على الإنتماء والولاء إذ يستميت في تأييد مَن ينفّذ أجندات مشبوهة لا علاقة لها بمصلحة لبنان ومستقبل أهله؟

هل يبرّر طموحه الحالِم حدَّ إستجداء المنصب، أيّاً يكن هذا المنصب، ويطرح بالتالي نفسه رئيساً قوياً لكلّ لبنان؟

اننا إذ نعيش في نظام ديمقراطي وهو المساحة الوحيدة التي يمكن للإنسانان يمارس حقه في التعبير الحرّ عن رأيه، نعلن أننا لا نريد رئيساً يتنازل عن القِيَم الوطنيّة، وأولّها السّيادة التي بها وحدها تُصان الكرامة. وبالتالي ندعو الى وَعيٍ وطنيّ يستدعي نقلة نوعية لجهة المستوى الذي يجب ان يتمتع به المشتغلون بالسياسة عندنا، فلا نعود نواجه طغاة أو عشاق سلطة متخلفين، بل طبقة راقية تنشئ دولة تتكلم وتعقل باسم الشعب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل