Site icon Lebanese Forces Official Website

البابا فرنسيس أعاد لنا مجد المقاومة…

بلهفة نظر البابا فرنسيس الى البطريرك الاورثوذكسي المسكوني برثلماوس، وفجأة انحنى له وقبّل يده! صُعق البطريرك لم يتوقّع تواضعاً بهذا الحجم، انحنى وطبع بدل القبلة ثلاثاً على وجه من حوّل الباباوية الى واحة سماء على الارض…

توقف موكب البابا، ترجّل منه فجأة، توجه نحو الجدار الفاصل بين بيت لحم والقدس، صلّى وقبّل الجدار ودعا لانهيار الحواجز بين الانسان وأخيه. وقف الجميع حائراً منحنياً أمام رجل لم ينس حتى اللحظة، رغم موقعه الكبير، انه خادم الله وابنائه البشر…

فجأة زاح البابا عن خطّ السير المرسوم له، توجه الى ضفة نهر الاردن حيث تعمّد المسيح، غمّس يديه بالنهر، صورته عُكست فوق صفحة المياه الهادئة، ابتسم البابا خجلا للصورة المعكوسة، اذ عرف ان لا عظمة انسان على الارض تضاهي عظمة السيّد المسيح…

هي سلسلة من المفاجآت حسب حسابها منظمو الزيارة الى الاراضي المقدسّة، لما عرفوا عن البابا من عدم التزامه بالبروتوكول، ولهفته على الناس والتماهي معهم، لكن ما لم يتوقعّه المنظمون هو المواقع التي ستشهد هذه التجاوزات، ولا حتى نوعية الكلمات التي القاها.

“نعود اليوم الى هذا المكان لنسمع صوتك يا رب، استمع لنا يا رب وارحمنا نحن اخطأنا تجاهك فتذكرنا في رحمتك، اننا نخجل من اعمالنا وتدمير نفوسنا التي اعطيتناه، تذكرنا برحمتك يا رب”، قالها حين رفع صلواته فوق جبل هارتسل، والكل اليه يستمع صاغراً بعمق الاحساس ورفّة القلب. هناك وقف رجل اخترق زمن هدر الدماء، وزمن الصراخ والعويل الفارغ، والاصوات والاصابع المهوّلة المهددة لحياة الناس ومصائرهم. هناك وقف في قلب اورشليم، على قلب من هوّل وهدد ورفع الترسانات العسكرية القاتلة، ومن دمّر وحرق ونهب وقتل وشن الحروب العبثية الخاسرة، ليقول على جثث الناس “هزمنا الصهاينة” ولا انتصار…

سنين وسنين من التسلّح، سنين وسنين من الوقوف على أبواب اللبنانيين وقلوبهم، يرفعون التهديد، يمجّدون السلاح، يكابرون، يعطّلون الجمهورية، يقفون كالعصي في مقلة العين، يحولون دوننا والحب، دوننا واللقاء، دوننا والسلام، دوننا ولبنان، بحجة مقاومة المحتل، وفي يوم، يوم واحد ليس أكثر، اخترق بابا السلام الاراضي المقدسة، دخل قلب اسرائيل، جال في شوارعها، قبّل الارض التي سار عليها سيّد الازمان ولا سيّد سواه ولن يكون، اخترق المكان بسلاح فتّاك مدمّر عابر للارض بما فيها، سلاح الكلمة، سلاح المحبة، سطوة الحق. لم يرفع اصبعاً ولا صوتاً ولا سوطاً ولا دبابة أو رشاشاً، لم يتطاير من فمه رذاذ الغضب والحقد وعنجهية “القوي” بقتل الناس، قال بالصوت الخفيض العميق “احبكم” وزلزلت القلوب فيه.

للاسرائيلين وجّه رسالة لم يتلقوا أقسى منها منذ زمن، قال لهم فلسطين أرض مقدسة وللفلسطيننين الحق بأرضهم. وللفلسطينيين قال لهم بكل محبة، لا يمكن أن نتنكر لوجود الشعب اليهودي ودولة اسرائيل، قال للاثنين، عليكم التعايش مع بعضكم واحترام كل منكم خصوصية الآخر وحدود الآخر. ابتسمت له اسرائيل الرسمية، لم تتمكن الا أن تفعل، حضّرت له المكان والاستقبال اللائق. فلسطين حملته على الراحات، جاء من يعترف بها دولة مستقلة من دون أن يجعلها تدفع الثمن من دماء شبابها، او من يتاجر باسمها ليضمن وجوده الوهمي في مقاومة وهمية.

اخترق البابا فرنسيس كل البروتوكولات، كان زعيق ينفجر من هنالك وهنالك، ولم يستمع اليه أحد، صار زعيقاً مملاً سخيفا بائداً، القلوب والضمائر كانت مخطوفة، وقفت عند حافة اورشليم، في القدس على طريق الجلجلة، هي طريقنا التي نسير عليها ونحمل صليب يسوع، البابا فرنسيس أعاد لنا بسمة الالم، حب الالم لاجل يسوع الذي نُضطهد على اسمه. من هناك وصلتنا ذخيرة المقاومة، لك ما تشاء يا سيّد، لن نتذمّر ولن نيأس، سنحمل صليبك ونمشي وحتما ستصل بنا الدروب الى قلب اورشليم لنصلّي الوردية على طريق الجلجلة، ونركع في كنيسة المهد والرأس في العالي العالي… هذا ما فعله البابا فرنسيس بنا، أعادنا الى مجد المقاومة…

Exit mobile version