
يروى عن الممثل أديب حداد “أبو ملحم”، انه في احدى حلقاته التلفزيونية الشهيرة المعروفة بـ “يسعد مساكم”، تحدّث عن الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، وكان ذلك في بداية السبعينات، يومذاك تقدّم “أبو ملحم” من شاشة الابيض والاسود وقال بصوت عميق متهدّج عبارته الشهيرة: “على الغريب انو يكون اديب”، ما أدى الى قطع بث الحلقة التي يبدو انها كانت مباشرة، وغاب أبو ملحم عن الناس التي كانت تعشقه لاسابيع قبل استئناف بث الحلقات، بعدما عوقب من السلطات المختصة التي اعتبرت أن “أبو ملحم” تجاوز حدوده…
وأثبتت الايام أن “أبو ملحم” كان على حق بعدما تحوّلت “قلة أدب” الغرباء لاحقاً، وتحديداً السوريين، الى احتلال دام ما يقارب الخمسة وثلاثين عاماً. لماذا هذا الاستذكار الان؟! ينزل السوريون بالالاف للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المفترضة. عظيم لا اعتراض، وكلنا يعرف انها انتخابات الدماء ليس أكثر، انتخابات الارهاب والقتل والبراميل المتفجّرة فوق رؤوس الاطفال، أيضاً لا يهم ما دام بعض من ذاك الشعب، يعشق السادية واعتاد اعتناق لغة الدم والذل.
نزل متتبعو بشار الاسد اذن الى السفارة السورية في اليرزة “لانتخاب” القاتل الناجح سلفاً وحكماً، نزلوا ليس ليعدّلوا النتائج في ظل “المنافسة” القاسية بين بشار وآخرين، انما ليتحدّوا أولاً مواطنيهم السوريين الرافضين لعودة بشار، والرافضين المشاركة في مهزلة الانتخابات تلك، كما نزلوا ليتحدّوا اللبنانيين، أو على الاقل هذا ما بدت عليه الصورة تماما!!
بيروت وقفت عند مداخلها، تجمّدت داخل السيارات، من عاليه الى الدورة صفوف سيارات مجمّدة، بوسطات السوريين الزاحفين صوب “ديمقراطيتهم” قطعت أنفاس المدينة، ولم يكتف هؤلاء بما حصل، ترجّلوا من السيارات والبوسطات، بعدما تولى “حزب السلاح” تنظيم عملية نقل “المقترعين” من أماكنهم، فترجّلوا اذن وحملوا صور بشار الاسد وحسن نصرالله، وعلم النظام والحزب، وبثوا في العالي العالي أغاني ثورية تصدح للطاغية، وبدأوا يسيرون بين الناس يهتفون له ويصرخون لأجله، ويلوّحون للسيارات المتوقفة بالاعلام، متحدّين الناس القابعة في الانتظار منذ الصباح الباكر. وكأنهم يمارسون الانتقام من شعب، رغم انه بأغلبيته أمضى العمر يحارب الاحتلال السوري، لكنه انصاع الى انسانيته عندما احتلّ النظام شعبه وهجّره الينا، واستقبل كل هؤلاء لاجئين معززين مكرّمين على حساب لقمة عيشه والآن على حساب كرامته!!!
نعرف أن كثرا من اللاجئين السوريين من مؤيدي الثورة، رفضوا الاقتراع لمن يقتلهم وقبعوا في خيامهم رغم تهديدات الحزب لهم بقصف مناطقهم ما لم يذهبوا للاقتراع، ونعرف أن الموالين للنظام يريدون ممارسة ما يعتبرونه حقهم الطبيعي بـ”الاقتراع” الوهمي المفترض، لكن ما لا نريد أن نعرفه ولا أن نفهمه وما نرفضه بالكامل، أن تتحول هذه الاعداد الهائلة من مؤيدي القاتل، الى آلات بشرية تدور عمداً بين اللبنانيين، تتحدّاهم في عقر دارهم، تنتزع منهم لقمة العيش ثم تبصق في الطبق، تلوّح لهم بصور مجرم موصوف فقط بهدف تحدي أهل البيت وهم ليسوا من هذا البيت، ولن يكونوا يوماً ولن نقبل بأن يكونوا أعداداً لعلها اُعدت سلفا لتقوم بما قامت به من وقاحة وقلة أدب واستفزاز لوطن بأكمله، وعلى عين الوطن ومسؤوليه وقواه الامنية كافة، من دون أن يتحرّك أحد أو يتصرّف، في حين خرج ذاك السفير الوقح، سفير النظام، ليمعن في استفزاز اللبنانين وليعلن انه قد يمدد الانتخابات ليوم اضافي نظرا للاقبال المنقطع النظير على “الانتخابات”!!!
هذه بلد أم لعلها مزرعة؟! هذا لبنان أم لعله صار من ضمن القطر الشقيق انما من دون اعلان رسمي بعد؟ هذا احتلال مدني أم تمهيد له بمباركة الاتباع والحلفاء؟!!!
“على الغريب انو يكون أديب”، مرّت الاعوام الطويلة ولبنان لم يتعلّم ليس لان شعبه ميت، على العكس، هذا شعب أمضى الاعوام بالنضال وهو يحارب الاحتلالات، لكن الاكيد الثابت أن بعض المسؤولين فيه هم مثل هؤلاء الاغنام الزاحفة صوب المسلخ “لانتخاب” قاتلها، تحب الدماء وتسكر من الموت، لكن… لكن والله شاهد على ما نقول، والله والله لن تحتلوا بلدنا مرّة ثانية ولو تحولت الشمس الى قرص من جليد…
.
