الشياطين هي “أرواح” وأفكار مجرّدة خارج الادراكات الحسيّة، ولولا الانسان لما اختبرنا وجود الابالسة في عالم الانس.
والانسان كما وصفه سقراط هو “حيوان سياسي”، يعيش وينمو ويكثُر في اجتماع بشري نسميه “عقد اجتماعي”، منهم من ينتمي الى أثينا وآخرون الى الجاهلية والبقية تنتمي الى الجحيم.
أثينا، هي مدماك تطور الفكر السياسي الانساني الى اليوم، المرتكز على الديمقراطية (demos-cratos).
الجاهلية، هي الشعوب التي تحكم نفسها على قاعدة غريزة البقاء، في الترحال من واحة الى اخرى، تنوح على اطلالها.
أما الجحيم، هو الشيطان الذي يريد ان يحكم اهل الجاهلية بقناع اثينا الجميل.
واستطرادا في معاني الديمقراطية، في علم السياسة هو مفهوم متحرك متغير حسب تطور الفكر السياسي والاجتماعي والثقافي (ديناميكية التطور)، أي أن الديمقراطية ليست جامدة في التاريخ، فانتقلنا من الديمقراطية المباشرة أيام حكم المدينة (أثينا) مع استثناء الطبقات غير الاحرار والنساء من الاقتراع، الى الديمقراطية التمثيلية التي تعطي الحق لكل مواطن باستثناء من تسقط عنهم حقوقهم المدنية والسياسية.
ومن اهم الاطر والتعبيرات عن الديمقراطية هي الانتخابات، حيث الشعب مصدر السلطات، حكم الشعب من الشعب (مندوبين) لأجل الشعب.
ومن أبرز التوصيفات للعصر الجاهلي الثاني المعاصر، دلالة على “غشمة” بعض الشعوب، كلام ساخر لبنان الرائع سعيد تقي الدين “عرفت بغلا اسمه الرأي العام”، ويقول جورج برنارد شو: “من عيوب الديمقراطية انها تجبرك على الاستماع الى رأي الحمقى”،
وهنري آمورو يعتبر ان دراما الديكتاتوريات “أنها تجيز لمرضى عقليين، لأشرار، لمجنوني العظمة، المضي لأقصى جنونهم وشرورهم…”
لنترك تاريخ الفلسفة جانبا، فصفحاته تبقى غارقة بالنسبة الينا في الامس البعيد.. طالما أننا اليوم وفي لبنان، في القرن الواحد والعشرين بسنواته الـ 2014، نرى، نشاهد ونلمس في حاضرنا، هذه الجدلية الثلاثية: اثينا – الجاهلية – الجحيم.
كم نحن محظوظون (معطوفة على الأسف)، في يوم الانتخابات السفيهة في حقارة السفارة الاسدية في عاصمتنا بيروت، سمعنا أصوات اللاجئين السوريين الموالين لنظام العصر (عصر الدم حتى آخر نقطة) ينعقون كالغراب: بالروح بالدم نفديك يا بشّار (حكمة فلسفية يهتفها فقط اهل الجاهلية لأبالسة الجحيم)، وقبلهم، كانت الجماهير تخرج إلى “بياتزا ديل بوبولو” ساحة الشعب، كل يوم لتصفّق لموسوليني وتهتف بحياته، وفي النهاية علَّقتْه من ساقيه على غصن شجرة!
هي رقصة، شيطانية، لم يتقنها أعظم المتغطرسين، لا هتلر ولا موسيليني، لا ستالين ولا حتى ملك ملوك أفريقيا.. لم يستهبلوا شعوبهم بدعوتهم الى مهزلة انتخابهم على وقع طبول الحرب كما يفعل أسد أسود الشام بشار الاسد!
هي أصواتٌ تنزل في صناديق الموت، فاقت وحشتها أصوات البراميل المتفجرة الساقطة من عفن الضمير على أحياء الساكنين في حلب وحمص ودرعا والرقة… أصوات انتخابية تسقط في الصناديق، يفوق صريرها نحيب الثكالى، وصراخ الاطفال، وأنين العجز.
إنها رسالة مسكونة، في احتقار السوريين واللبنانيين والرأي العام العالمي، النجيب الفطين (لا بتاع تفي الدين)، مفادها أن الشيطان ما زال قادرا على الرقص فوق القبور، فمن خُلِقَ من الدم يعيش ويموت بالدم. فـ فَلتَة الاسد تظنّ أنها تتويج لما يفترضه من انتصارات سرمدية تحققت على أرض النار، وأن الانتخابات هي مفتاح شرعي لأبواب المجتمع الدولي، يطلّ بها على العالمين بعباءة الديمقراطية المقنّعة.
فهل تكون هذه الرقصة، الاخيرة في مسيرة طمر هوّة الجحيم، وطيّ صفحات العصر الجاهلي الثاني، بتحطيم الاصنام المتحركة التي تجوب المدن والشوارع، تفوح منها روائح الدم المتأسد الممتص من ارواح العباد المتشلل من اياديهم المصفقة،المقترعة لصنم مسخ يعجز لسان جاهلية القيس والاعشى وبن حجر على هجائه!
ربما،
كي لا يبتلع التنين أثينا في صناديق الموت.