عائلة عنتوري “ضحية” تلاعب قضائي بالسكن والعيش

استأجر توفيق عنتوري منزلاً ومحلاً تجارياً في شارع المقدسي في الحمرا في العام 1960، وتزوج في العام 1968. حول المحل إلى سوبر ماركت أصبح معروفاً في الشارع، وعاش مع زوجته وأولاده من مورده. بعد وفاته بقيت الزوجة لوريس عنتوري تدير السوبر ماركت مع اثنين من أولادها، إلى أن قرر صاحب المبنى إبراهيم البلطجي إخلاءهم بدافع الهدم.

لم تعترض العائلة على الإخلاء لأن قانون الإيجارات يتيح لصاحب الملك إخلاء شقق ومحال يملكها بدافع الهدم، لكن المفاجأة كانت في التعويض الذي حصلت عليه. وكشف التعويض مشكلة تشمل كل حي في المدينة، وهي الاستنسابية القضائية الفاضحة في تخمين التعويضات، ليس بين حي وآخر فحسب، إنما بين مبنى وآخر. فيحصل كل شخص على تعويض يناسب نفوذه والتدخلات التي يقوم بها، وليس قيمة المأجور الذي يستخدمه.

وفي شارع المقدسي، وصل الأمر إلى حد إصدار حكم قضائي بإخلاء شقق في أحد المباني، بعنوان أن المبنى خاضع للهدم، بينما يجري ترميمه أمام أعين الناس جميعاً، والسبب الوحيد في الحكم هو الاستجابة لرغبة أصحاب الملكية، ولديهم محال ألبسة معروفة فيه.

تروي لوريس، زوجة توفيق عنتوري، أن بلطجي حصل على إذن قضائي بإخلائهم من الشقة والمحل. واستناداً إلى قانون الإيجارات القديم، يتم احتساب قيمة المأجور بالأمتار المربعة، وتدفع نسبة تراوح بين خمسة وأربعين وخمسين في المئة من سعر الأمتار المربعة كتعويض. واستناداً إلى التخمينات القضائية يراوح سعر المتر المربع في شارع المقدسي بين خمسة عشر وسبعة عشر ألف دولار. لكن القاضي ارتأى احتساب سعر المتر المربع بألفين ومئتي دولار أميركي فقط، وأعطى العائلة نسبة خمسة وأربعين في المئة من قيمة الشقة والسوبر ماركت. وبذلك حصلت على مبلغ واحد وتسعين ألف دولار، بدل إخلاء المحل، هو عبارة عن ستة وستين ألف دولار بدل قيمة العقار، وخمسة وعشرين ألف دولار بدل تعويض وقف العمل. وحصلت على مبلغ واحد وتسعين ألفا وثمانمئة دولار بدل إخلاء الشقة. وتبلغ مساحة الشقة مئة وستة وثلاثين متراً مربعاً، ومساحة السوبر ماركت سبعة وثمانين متراً مربعاً مع واجهة بطول سبعة أمتار. أما التعويض الإجمالي الذي حصلت عليه العائلة فهو مئة وواحد وثمانون ألف دولار، خسرت مقابله المنزل ومورد الرزق.

ويعرف الجميع أنه لا يمكن شراء غرفة في الحمرا بالمبلغ المذكور، فكيف باستئجار محل وشقة، وتأسيس عمل جديد للأبناء؟ يعني باختصار «اخترب بيتهم».

من ألفي دولار إلى 17 ألفاً

تبيّن الأحكام القضائية التي جرى الاطلاع عليها وجود تفاوت كبير بين التخمينات العقارية في المباني المجاورة لعائلة عنتوري. على بعد أمتار قليلة، كان سعيد نادر يستأجر محلاً لتصليح الأحذية، عبارة عن سقيفة ومدخل، وتبلغ مساحته سبعة عشر متراً مربعاً، لكنه حصل على تعويض قدره ستة وتسعين ألف دولار، لأن قاضياً آخر احتسب له التعويض، استناداً إلى سعر المتر المربع باثني عشر ألف دولار.

في مبنى إحسان البعلبكي المقابل، كان المهندس علي المرابط يستأجر مكتباً هندسياً في الطابق الثاني، منذ العام 1979، أي بعد استئجار عائلة عنتوري المنزل والشقة بعشر سنوات. تبلغ مساحة المكتب 143 متراً مربعاً، وبموجب الحكم القضائي، تم احتساب سعر المتر المربع سبعة عشر ألف دولار، مع إعطاء نسبة خمسين في المئة من قيمة المأجور، وبذلك بلغت قيمة التعويض الذي حصل عليه 497 ألف دولار، وهو يعتبر تعويضاً عادلاً.

في المبنى نفسه، كان قرابت طاشجيان، يستأجر محلاً ومخزناً تجارياً، تبلغ مساحته 124 متراً مربعاً ويدعى محل «نوبار» للتصوير والتجارة. يشكل المحل امتداداً لعقد إيجار لوالد طاشجيان، منذ العام 1995. ولدى إصدار الحكم بإخلائه، احتسب له القاضي نسبة خمسين في المئة من قيمة المحل، مع احتساب سعر المتر المربع بسبعة عشر ألف دولار. فحصل على مبلغ قدره 598 ألف دولار.

وفي مبنى الخطيب المجاور، كانت ماريان جوزف يابا تقيم في الطابق الأول في شقة تبلغ مساحتها مئتين وتسعة أمتار، وحصلت على تعويض قدره 239 ألف دولار.

جيران وزبائن واحتجاج

احتجاجاً على الحكم القضائي، رفضت عائلة عنتوري الإخلاء، ووضعت لافتة أمام السوبر ماركت كتبت عليها: «حضرة وزير العدل، حضرة القاضي، حضرات المستشارين، هذه ليست سوبر ماركت آرييل شارون». وبجانبها لافتة صغيرة كتب عليها: الضـغط يولد الانفجار.

تعيش العائلة منهكة منذ صدور الحكم القضائي. وقد بدأت تفريغ السوبر ماركت من البضائع، يمر الزبائن والجيران. منهم من يفاجأ، ومنهم من يعلن تضامنه. ينام أحد الأبناء داخل المحل، تحسباً لمجيء قوى الأمن من أجل تنفيذ الإخلاء، وتقول موريس عنتوري: «نحن نعيش هنا منذ أربعة وخمسين عاماً، نريد حقنا بالقانون، مثل جيراننا. يتراوح سعر المتر في الشقة والمحل بين أحد عشر ألفاً وسبعة عشر ألفا، لا ألفي دولار كما احتسبوه».

تضيف أنها استأنفت الحكم وميزت، لكن إذا أصر القضاء على عدم إعطائها حقوقها سوف تضع أغراضها على الطريق وتعتصم، وليأتوا لإبعادها، بينما يقول ابنها إن لديهم أقارب ومعارف، سوف يعتصمون جميعاً معهم.

هذه حال عائلة تنهي حياة في منطقة ولد فيها أبناء وأحفاد، لتبدأ حياة أخرى بصعوبة. حال سكان يعيشون في منطقة ميسورة، ويخضعون لقانون إيجارات يتيح لهم الحصول على تعويض. فماذا سيحصل لغالبية المستأجرين القدامى لدى تنفيذ قانون الإيجارات الجديد، الذي حرمهم التعويضات؟ وإلى أي شوارع سيتم القذف بهم عندها؟

المصدر:
السفير

خبر عاجل