لا أحد يعرف مدى غرق “حزب الله” في عزلته، أو انعزاله، أكثر منه.
يدرك تماماً، وخلافاً لمظاهر القوّة والسطوة واحتفاليّات الانتصار، أنّه يتشرنق باطراد داخل لبنان، ويرتكب الخطأ تلو الخطأ، مع أكثر من طرف وفريق، حتّى باتت الحالات الذيليّة التي نسجها داخل الطوائف الأخرى تتبرّم من تفرّده، وتخشى على نفسها من انزلاقها وراءه إلى المزيد من التهميش والعزلة.
لا وجوب للرجوع 9 سنوات إلى الوراء، كي نلمس مدى انحدار علاقته بسائر المكوّنات اللبنانيّة، بعد انسحاب جيش النظام السوري من لبنان.
بل تكفي استعادة بسيطة لما ارتكبه خلال الأشهر والأسابيع الأخيرة، بعد انتكاسة حكومته الميقاتيّة، لتتبيّن خساراته المتتالية في علاقاته اللبنانيّة. ويمكن اختصارها بثلاث:
1 – تنصّله من “إعلان بعبدا” بعد توقيعه عليه، بما جعله يغرّد وحيداً ضدّه، ويُحرج أقرب حليفين له: نبيه برّي وميشال عون اللذين ارتبكا بين التأييد والتنصّل، وعَلكَا تصريحاتهما بحيث لا يُفهم منها إذا تخلّيا مثله عن الإعلان أَم رضيا به على مضض. فيما جميع المكوّنات الأخرى تقف بقوّة مع “إعلان بعبدا”.
2 – إنقلابه على الرئيس ميشال سليمان، ومقاطعته، وتوجيه أقسى التهم والنعوت إليه، إلى حدّ الإيحاء بأنّ ذكرى “عيد التحرير” هذا العام ترافقت مع “تحرير” قصر بعبدا منه! وقد ارتدّت العدائيّة ضد الرئيس
تأييداً له وعطفاً عليه، من خلال التكريم الشعبي والسياسي الواسع الذي ناله بعد انتهاء ولايته، فبدا “حزب الله” معزولاً عن الحالة الوطنيّة، ولم ينفع إسناد فرقة عون الإعلاميّة والسياسيّة في تعويمه، بل انعكس مزيداً من الانكماش الشعبي للأخير. الرئيس خرج قويّاً وكبيراً، و”الحزب” تلقّى صدمة شعبيّة وسياسيّة موجعة.
3 – تفرّده في الهجوم على زيارة البطريرك الراعي للأراضي المقدّسة، وظهوره بمظهر صاحب الولاية والوصاية على فلسطين، والمزايدة على أهلها أنفسهم، وتنصيب نفسه كحامل أختام القدس. ولم يرْعَوِ في موقفه، بل بلغ به وهم القوّة حدّ إرسال وفد منه إلى بكركي للضغط على سيّدها وثنيه عن الزيارة.
وكانت النتيجة أنّ اللبنانيّين، بكلّ طوائفهم، بمسلميهم قبل مسيحيّيهم، أيّدوا خطوة البطريرك وباركوها وفهموا دوافعها، وسيتبلور ذلك بعد عودته. فظهر “حزب الله” وحيداً.. ولو لم يندم!
وقد حاول الإلتفاف على خطأه وعزلته، بالطلب من أوساطه الإعلاميّة وقف الحملة وتجاهل وقائع الزيارة، بما يُشبه ابتلاع اللسان. لكنّ الندوب التي تركها في وجدان اللبنانيّين، وخصوصاً المسيحيّين، لا تلتئم بسهولة. ومرّة أُخرى شرنق “حزب الله” نفسه، وخسر المزيد من نقاط التقارب والانفتاح التي كان قد حصّلها بحسن الأداء، أو بالحيلة.
ولم يكتفِ بتراكم خساراته الثلاث المذكورة، بل أتبعها بعراضته المشتركة مع النظام السوري بحجّة الانتخابات، فاستباحا دورة حياة اللبنانيّين واجتاحا شوارعهم وحركتهم اليوميّة، وأيقظا ذاكرة الغزو والقمصان السود، وتركا آثاراً سلبيّة بليغة، حتّى لدى المرتبطين معهما بتحالف و”تفاهم”. فالأذيّة ليست لها هويّة، والموت على يد “الصديق” ليس أرحم منه على يد العدوّ.
أمّا حلفاء “حزب الله” الذين زرعهم في كلّ الطوائف، فهم اليوم مرتبكون بعدما رأوه يتخبّط في خصوماته وعداواته: بعضهم ذهب إلى صمت ثقيل، بعضهم الثاني إلى الشكوى الخافتة من انقطاع “رزقته” الشهريّة، وثالثهم يبحث عبثاً عن بدائل، من بيت الوسط إلى باريس والرياض. لكنّ عزلة مرجع البعض الثالث تزيده ارتباكاً، فيقع ضحيّة حلمه بين حليف ملتبس لا يتبنّاه بصدق، ووعد متوهَّم لا يتجسّد واقعاً.
وإذا كان “الحزب” حاول عزل مسيحيّي 14 آذار، وتحديداً “القوّات اللبنانيّة” عبر أبلسة ترشيح د.سمير جعجع، فقد انقلب سحره عليه، وأدّت مناورته إلى مزيد من صلابة الفريق السيادي، وإلى تفكّك، ولو غير معلن، في منظومة 8 آذار، وابتعاد الوسطيّين عنها. فكانت رسائل وليد جنبلاط في إشادته الاستثنائيّة بالرئيس سليمان و”إعلان بعبدا”، وترشيحه أحد نوّابه للرئاسة، وفتحه قنوات تواصل جديدة مع “المستقبل” و”القوّات” و”الكتائب”، بالغة الدقّة في إصابة هدفها.
والمحصّلة العامّة لأداء “حزب الله” في المرحلة الأخيرة: إستمرار نفور السنّة، تجدّد حذر الدروز، إتّساع نقمة المسيحيّين، وتعاظم تساؤلات البيئة الشيعيّة عن المصير.
والمفارقة أنّ مرجعيّته في إيران تحاول الخروج من عزلتها الإقليميّة والدوليّة عبر الحوار مع الرياض وواشنطن، بينما ينزلق هو إلى عزلة لبنانيّة متزايدة، يحاول معالجتها بالوسيلة الوحيدة المتبقّية لديه: تعطيل المؤسّسات والاستحقاقات، بوهج سلاحه.
لم يستطع السلاح يوماً كسر عزلة أحد. بل كان دائماً سبباً لتعميقها، ولتعقيد وضع صاحبه.
وإذا بقي هناك عقلاء في قيادة “حزب الله”، عليهم البدء بمراجعة عميقة، قبل أن تستشري حالة الانعزال.
هذا إذا سمحت “المرجعيّة” بالمراجعة.