التغذية الكهربائية إلى 14 ساعة بما فيها بيروت أو زيادة التعرفة

كتب عدنان الحاج في “السفير”:

دخلت قضية الكهرباء مرحلة أزمة جديدة من باب الموازنة العامة للدولة التي وضعتها وزارة المال التي تخصص حوالي 2500 مليار ليرة لتغطية عجز «مؤسسة كهرباء لبنان»، وتضارب هذه الأرقام مع موازنة المؤسسة التي تقدر عجزها للعام 2014 بحوالي 3097 مليار ليرة بعد تخفيضها حوالي 500 مليار ليرة عن مشروعها الأول الذي كان يقدر العجز بحوالي 3600 مليار ليرة لتغطية انتاج المعامل بكامل طاقتها قبل أن يخفضها مجلس الوزراء إلى حوالي 2800 مليار ليرة في قراره يوم 22 أيار 2014، وهو حدود عجز السنة الماضية. علماً أن وزارة المال طلبت تخفيض العجز إلى حوالي 2500 مليار ليرة على أساس الموازنة العامة للعام الماضي، وهو ما تعتبره المؤسسة لا يغطي الاحتياجات لاستمرار التغذية في وضعها الراهن.

الموضوع كان عنوان مراسلات بين الكهرباء ووزارة الطاقة ومجلس الوزراء حول القضية المالية التي تحتاجها كهرباء لبنان للمضي بالتغذية في وضعها الراهن، مع إضافة كلفة البواخر وكلفة استهلاك النزوح السوري التي لم تكن تدخل في الموازنات السابقة.

المحطات الخلافية والمتباعدة

في التفاصيل يمكن التوقف عند المحطات الخلافية الأساسية والمتباعدة التي تبشر بأزمة كهرباء ممكنة بل وشيكة في حال عدم حسم الدعم لتغطية العجز خلال العام الحالي.

أ – في البداية أفادت «مؤسسة كهرباء لبنان» وزارة المال بأن حاجتها لتغطية العجز المقدر بحوالي 3097 مليار ليرة في موازنتها البالغة حوالي 4889.2 مليار ليرة للعام 2014، في حين تمسكت وزارة المال بتحديد سقف للعجز بحدود 2500 مليار ليرة قبل أن يخرج مجلس الوزراء بحل وسطي، وبموجب قرار لمجلس الوزراء الأخير بحصر العجز بحوالي 2800 مليار ليرة، وهو العجز المحقق في العام 2013 تقريباً. لكن «الكهرباء» أشارت في كتبها إلى السلطات المعنية، إلى أن تخصيص الدعم بحوالي 2800 مليار ليرة سيؤدي إلى تغذية بمعدل 14 ساعة يومياً لكل المناطق بما فيها بيروت الإدارية. وإذا كان الدعم بحدود أقل ستصل التغذية إلى معدل 9 ساعات يومياً.

تلحظ الكتب إلى وزارة الطاقة، ومن ثم مجلس الوزراء والمال، أن هذه الكلفة في العجز لم تأخذ في الاعتبار كلفة تشغيل البواخر التركية التي تكلف بدل إيجار شهري حوالي 10 ملايين دولار بكلفة سنوية تصل إلى 120 مليون دولار، مضافاً إليها كلفة حوالي 500 ألف طن من الفيول الذي تتحمله كهرباء لبنان. مع العلم أن البواخر جاءت لتزيد الانتاجية وتساعد المعامل في زيادة إنتاج الطاقة وليس لوقف المعامل.

ب – أشارت «مؤسسة كهرباء لبنان» في كتابها إلى مجلس الوزراء، أن عدم توفير الدعم المطلوب يؤدي إلى أحد الاحتمالات الآتية: توقيف المعامل أو بعض المعامل، وهو أمر بدأ في معملي صور وبعلبك بشكل كلي، مما يخفض الإنتاج حوالي 120 ميغاوات. وفي حال الاستمرار في عدم تأمين العجز المطلوب، ستقوم كهرباء لبنان مضطرة إلى وقف الإنتاج في مجموعات معملي الذوق والجية. هذا مع العلم أن الكهرباء أوقفت كلياً استجرار الطاقة من سوريا نتيجة الأوضاع المالية.

وعلمت» السفير» من مصادر متابعة لملف الكهرباء أن المؤسسة تحضر كتاباً تقول فيه إن توفير الدعم بالمبالغ المقررة استناداً للعام الماضي، سيؤدي إلى خفض التغذية إلى حوالي 14 ساعة يوميا بما فيها بيروت الإدارية، وهذا عنصر إضافي لضرب ما تبقى من موسم الاصطياف المصادف هذه المرة مع شهر رمضان.

ج – ان الكلام عن إمكانية استبدال المحروقات باستخدام الغاز لإنتاج الكهرباء في معملي البداوي والزهراني هو خارج المنطق في هذه المرحلة، نتيجة عدم استجرار الغاز من سوريا، وتجميد الاتفاق منذ سنوات من جهة، وعدم استجرار الغاز من مصر منذ البداية. ناهيك عن الظروف الأمنية، وعدم تحضير خزانات الغاز في المعامل وهذا أمر يتطلب وقتاً. ولا يتعدى الشعارات التي لا يمكن تنفيذها خلال وقت قريب مع مراحل التأهيل والتجهيز المطلوبة.

د – هذه الأمور تضع «مؤسسة كهرباء لبنان»، وهي موضوع الكتب التي رفعتها المؤسسة إلى الإدارات المعنية ومجلس الوزراء، أمام جملة خيارات أفضلها مر وانعكاساته صعبة على المواطن المشترك والمستهلك الذي يتحمل أعباء تردي الطاقة. هذه الخيارات تقضي إما بزيادة ساعات التقنين نتيجة وقف المعمل لتوفير المحروقات بعدما وصل سعر برميل النفط إلى أكثر من 111 دولارا حالياً، ووصل طن الفيول إلى حوالي 700 دولار، وطن المازوت إلى حوالي 900 دولار. وهذا الأمر يطرح الخيار الثاني برفع التعرفة على المشتركين البالغ عددهم حوالي المليون و300 ألف مشترك في جميع المحافظات.

تحسين الجباية ورفع الشطور

لن يقتصر هذا الأمر على كبار المستهلكين، كما يحاول البعض الإيحاء بذلك على اعتبار أن تحسين الجباية يتم عن طريق رفع كل شطور التعرفة في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية للمواطنين تشكل الكهرباء وتعرفات المولدات عنصراً أساسياً في موازنة العائلة، فرفع التعرفة يتطلب تأمين زيادة الانتاج والطاقة حتى لا يتحمل المواطن كلفة الفاتورتين والتعرفتين.

أما العنصر الثالث فيتعلق بتحسين الجباية في بلد يصل فيه الهدر على الشبكات في بعض المناطق إلى حوالي 55 و60 في المئة، ولا تستطيع الدولة بمن فيها منع التعديات، وسرقة التيار، ومحاسبة المخالفين من تجّار المولدات المنتشرين والمدعومين من جهات سياسية وقوى الأمر الواقع. ومع ذلك فان جباية الطاقة المهدورة والمقدرة بحوالي 35 في المئة من الهدر غير الفني يمكن أن تؤمن جبايات إضافية بحوالي 450 مليون دولار. الدليل أن «شركات مقدمي الخدمات» استطاعت أن تحسن الجباية 6.5 في المئة خلال العام 2013، وهي تستطيع مضاعفة قدراتها في تحسين الجباية وإزالة التعديات بالتعاون مع الدولة وقوى الأمر الواقع التي ترعى المخالفات وتغطي التعديات.

هـ – أما بالنسبة لكلفة الفوائد التي تتقاضاها المؤسسات المستوردة للنفط بموجب اتفاقية من دولة إلى دولة بين الكويت والجزائر والتي تقدرها المالية بحوالي 180 مليون دولار خلال السنوات التسع الخيرة، فهي لا تزال مقبولة كونها شملت عمليات استيراد بقيمة 18 مليار دولار طوال هذه المدة بمعدل سنوي يتراوح بين الملياري دولار وأكثر قيمة الفاتورة النفطية للكهرباء بين فيول أويل ومازوت، وهذا يعني أن معدلات الفوائد على هذه الفاتورة لم تزد عن 1.5 في المئة على عمليات تسديد تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر. فلو كانت الدولة ـ مؤسسة الكهرباء ـ تريد تمويل مشتريات النفط مباشرة، لكانت استدانت من السوق، وبموجب سندات خزينة لا تقل عن 5 و6 في المئة تبعا لأسعار الفوائد التي تستدين بها الدولة من السوق.

أما بالنسبة لرسوم بدل انتظار البواخر فلو كانت الدولة تفتح الاعتمادات بمواعيدها لما كانت تتراكم هذه المبالغ لحساب الشركات. فالقسم الأول من المسؤولية يتحمله الوضع المالي العاجز للدولة. والثاني تتحمله السياسة النفطية وبرمجة مستوردات الاحتياجات النفطية من قبل الدولة لحساب السوق وحساب كهرباء لبنان.

أما النقطة الأهم في الأمر، فان وزارة المال والدولة دفعت لكهرباء لبنان خلال الفصل الأول حوالي 900 مليار ليرة، وبالتالي هناك استحالة في تقليص النفقات إلى حدود العجز بأقل من 3000 مليار ليرة استناداً لنفقات الفصل الأول. مع الإشارة إلى أن تقديرات الجباية في الكهرباء تشير إلى زيادة العائدات لتصل إلى حوالي 1600 مليار ليرة وهذا يستند إلى تحسن جباية شركات الخدمات بحدود السنة الماضي بأكثر من 10 في المئة. بينما الهدر على الشبكات والسرقات يصل بين الفني وغير الفني إلى أكثر من 35 إلى 40 في المئة في المناطق غير المتوترة والمحكومة بإمكانية تدخل الدولة.

كلفة النزوح على القطاع

من جهة ثانية، هناك كلفة النزوح السوري على قطاع الكهرباء، حيث تقدر المؤسسة وصندوق النقد الدولي أن كلفة الكهرباء التي يستخدمها النازحون السوريون تقدر بحوالي 480 مليار ليرة من الطاقة المنتجة المفوترة أو غير المفوترة، وهذه كميات تدخل ضمن صعوبة التحصيل لعدم توافر المرجعيات المعنية مباشرة بتحمل هذه الكلفة من الطاقة الكهربائية التي يدفع ثمنها المواطن و«مؤسسة كهرباء لبنان»، وهي من ضمن الأعباء الإضافية.

في المحصلة، ان قضية الكهرباء تسير بسرعة قياسية نحو إما زيادة التعرفة على كل الشرائح لمقاربة كلفة الإنتاج مع كلفة البيع بالحدود الدنيا كون تعرفة الكهرباء موضوعة على سعر برميل نفط بحوالي 25 دولاراً، والسعر اليوم يصل إلى حوالي 111 دولاراً للبرميل. مع العلم أن كل دولار إضافي على سعر برميل النفط فوق الـ25 دولاراً يزيد عجز الكهرباء ما بين 13 إلى 15 مليون دولار. أما البديل فهو وقف بعض المعامل، وتقليص الإنتاج إلى حدود الدعم الذي تؤمنه الدولة لسد العجز. بمعنى آخر إما زيادة التقنين على كل المناطق أو زيادة التعرفة لوقف العجز أو الحد منه.

إشارة أخيرة إلى أن عجز كهرباء لبنان البالغ حوالي ملياري دولار سنوياً يأكل 52 في المئة من عجز الموازنة العامة الذي يقدر بحوالي 6000 مليار ليرة، وهذا يعني أن مسؤولية كهرباء لبنان حالياً هي الأقل بين المسؤوليات السياسية والأمنية والمالية على اعتبار أن العلاج يحتاج قرارات مالية وأمنية وسياسية لتفعيل أداء ونتائج أداء «مؤسسة كهرباء لبنان» في معالجة التردي الحاصل والسرقات على الشبكات وتقليص العجز.

المصدر:
السفير

خبر عاجل