
كتبت سعاد مارون في صحيفة “الجمهورية”:
بعدما أصبح الإنترنت جزءاً أساسياً من الحركة الإقتصادية والحياة الإجتماعية، تطوّر النشاط الإجرامي عبره، وانتقل من مجرد أعمال فردية متفرقة، الى جهود منظّمة عابرة للحدود تحصد الثروات وتتصاعد خطورتها على الأفراد والمؤسسات الرسمية والخاصة، فيما يصعب في كثير من الأحيان تقفّيها.
قبل أشهر تعرّضت الطبيبة اللبنانية رنى (إسم مستعار حفاظاً على سرية التحقيق) للابتزاز على يد رجل أفريقي، بعدما أوهمها بأسلوبه المحترف بأنه جرّاح اميركي ناجح يمارس اختصاصها، وراح يراسلها حابكاً محادثات مهنية، معزّزة بصوَر من داخل غرف العمليات تؤكّد «نجاحه».
وعلى رغم مستوى رنى الثقافي ونضجها، تمكّن الجاني من اكتساب ثقتها و»أسر قلبها»، مستغلاً الفراغ العاطفي الذي تعيشه، حتى دخلت الطبيبة معه في علاقة عاطفية «موثّقة» بالصور والرسائل، إنتهت بانهيارها، وبخسارتها 250 الف دولار أميركي حَوّلتها لحساب «الحبيب» خشية فضح ما كان بينهما.
من التحليل النفسي الى الإجرام
لكنّ مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي تمكن من القبض على الجاني بعد عمليات رصد لحساباته مَكّنته من التعرّف الى هويته، وتوقيفه بعد وصوله الى لبنان، من دون أن تتمكن رنى من استعادة المال بعدما حوّله الى حسابات في الخارج لا تسمح القوانين برفع السرية عنها.
لكنّ الأهمّ من كل ذلك أن التحقيق أظهر أن وراء الجاني شبكة دولية تضمّ أطباء وخبراء تكنولوجيا ومتخصصين في التحليل النفسي وفي إدارة مواقع التواصل الاجتماعي مهمتهم اكتشاف نقاط الضعف لدى الضحايا للولوج من خلالها الى أهوائهم واهتماماتهم والتحكّم بسيكولوجيتهم ثم استغلالهم في عمليات ابتزاز مادي.
رنى هي واحدة من آلاف الضحايا حول العالم الذين يجتاح المجرمون السيبيريون حياتهم كل يوم في سباق غير متكافئ بين الجريمة والعقوبة، وهي نموذج «محلّي» للتحدي الذي خلقته الثورة التكنولوجية على مساحة الكرة الأرضية، فضلاً عن أنها تضيء على أهمية المعلومات الشخصية والصور والتطبيقات التي يدوّنها مستخدمو الإنترنت على مواقع التواصل الإجتماعي بالنسبة للمجرمين.
عصابات مفتاحها «الأمانة»
سهولة الغش والتخفي والوصول الى كل مستخدم في العالم الإفتراضي الذي حطّم الحدود، حَفّزت الخيال الإجرامي وفتحت الباب أمام تشابك جهود المجرمين وتبادل الخبرات بينهم، في جوّ من السرية و»الأمانة» المتبادلة، والنتيجة آلاف عمليات الإحتيال والقرصنة وسرقة الحسابات المصرفية والمضاربة غير المشروعة والغش في التجارة، وسرقة الملكية الفكرية، وتبييض الأموال وتجارة المخدرات، وصولاً الى الإتجار بالبشر والتعدي على الحياة الخاصة والتحرّش الجنسي وتجارة السلاح، الى عمليات اكثر تعقيداً كالتجسس وتسريب الوثائق الرسمية السرية والحضّ على الإرهاب.
وتظهر التحقيقات أنّ اعضاء هذه العصابات يحرصون جداً على طمس هويّات شركائهم إذا ما وقعوا في قبضة الامن، لأنّ الأمانة قاعدة ذهبية في عملهم إذا ما خرقت تعرّض الواشي لملاحقة جميع العصابات الإلكترونية بلا هوادة.
جرائم نشطة في لبنان
لبنانياً، تشير إحصاءات قوى الأمن الداخلي الى تنامي النشاط الإجرامي من لبنان وإليه، وتقف في قمة اهتمام القوى الامنية عمليات بيع البضائع الوهمية التي كانت ضحيتها أخيراً شركات لبنانية كبرى ومتوسطة، بعدما تمّ اختراق بريدها الإلكتروني ومراسلتها من منتحلي صفة العملاء، ثم إقناعها بتحويل الأموال مقابل بضائع اكتشفت لاحقاً بأنها وهمية، ما ألحق بها خسائر قدّرت بملايين الدولارات، في وقت يصعب استعادة الأموال بعدما دخلت في حسابات مصرفية، بعضها وهمي وبعضها الآخر تحميه السرية المصرفية.
الساحة اللبنانية ليست فقط متلقية للإجرام الإلكتروني، فقد ألقى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي القبض أخيراً على عصابة من القراصنة اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين، بعدما تمكنت من سرقة الارقام السرية لعدد كبير من بطاقات الإئتمان، التي سبق استخدامها في عمليات شراء عبر الإنترنت، ثم استعملتها في شراء بطاقات سفر وبضائع متنوعة، قبل إنشاء «فوروم» على الشبكة العنكبوتية لتصريف الكمية الكبيرة المتبقية لأنها عجزت عن استخدامها، مستبقة بذلك تعطيل مفعولها.
حسابات «بريئة» تشنّ هجوماً
ولا تسلم المواقع الإلكترونية الرسمية والخاصة في لبنان من الهجمات الإلكترونية وبثّ الفيروسات، بحيث سيطر مجرمون قبل أشهر على عدد من المواقع دفعة واحدة، وأقفلوها طالبين من مالكيها تحويل الأموال لإعادة تشغيلها، ومن الملفت أنّ القراصنة استخدموا في هجومهم حسابات كثيرة «بريئة»، وفق ما بَيّنت التحقيقات، بعدما اخترقوها وسيطروا عليها وجنّدوها لتكوين الطاقة الإلكترونية اللازمة لتنفيذ الهجوم.
«البوكر»
ولمواقع القمار حصتها أيضاً في اجتذاب الضحايا اللبنانيين، ليس في تبديد أوهام اللاعبين بالربح وحسب، بل لأنّ هؤلاء يسهمون من خلال «اللعب» في عمليات احتيال وتبييض للأموال من دون علمهم، باعتبار أنّ محرّكي هذه المواقع يخلقون حسابات وهمية لتحويل الأموال الى اللاعبين، لكنهم في الواقع يغسلون أموالا حصّلوها في جرائم أُخرى أشدّ خطورة.
السلاح والإرهاب
خطورة استغلال العصابات للفضاء السيبيري والصعوبة في تقفّي أثرها، تشغل الدوائر القانونية والأمنية ومؤسسات البرمجة الإلكترونية حول العالم، خصوصاً انّ الخطر قد يطاول مواقع حيوية وحساسة كمصادر الطاقة وأجهزة الامن ومحطات الملاحة وكل ما يدخل الشبكة العنكبوتية ويشكل مصدراً محتملاً للاستغلال المادي أو حتى للتجسّس عندما يتعلّق الأمر بمصالح الدول، وقد شهدت السنوات الأخيرة توتراً على خلفية الإتهامات المتبادلة بالتجسّس بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، ورافق ذلك فضائح تسريب عميل الإستخبارات الأميركي إدوارد سنودن معلومات رسمية سرية تتعلّق بدولته أقامت الدنيا ولم تقعدها، فضلاً عن تنامي قدرات عصابات الإنترنت باضطراد وظهور شبكات إرهابية تحرّض على الإجرام وتقدم نصائح ووصفات لصناعة الأسلحة والمتفجرات بأكلاف بسيطة وبمواد متوافرة بسهولة.
كلفة عالية ومجرمون أعصياء
مقابل هذا الواقع يتضح انّ النصوص القانونية الدولية والمحلية وإن حَدّت من الخروق وضيّقت في الدول الناشطة تشريعياً على المجرمين، لكنها تبقى متأخرة عن اللحاق بمخيّلة المجرمين وقدراتهم. وقد خصصت معظم الدول مؤسسات ورصدت ميزانيات لمكافحة الجريمة الإلكترونية فتمكنت من ملاحقة العديد من المجرمين وتفكيك الكثير من العصابات، لكن في المقابل بقي الكثيرون أعصياء عليها.
وخير دليل على صعوبة توقيف هؤلاء الكلفة الباهظة التي تتكلفها الدول قبل توقيف «الرؤوس الكبيرة»، فمطلع هذا العام أعلنت وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية FBI عن تسلّمها من اوستراليا القرصان توبيشي اونيوهارا، الذي أوقع مئات الضحايا الأميركيين وبلغ مجموع سرقاته 38 مليون دولار اميركي وكلّف الولايات المتحدة 13 مليون دولار خسارة منذ مطلع العام 2007.
كذلك اخترق القرصان الروسي الشهير «هيرمس» ستة ملايين جهاز كومبيوتر حول العالم بواسطة جرثومة حصان طروادة التي فبركها، وتمكن من سرقة ما يعادل 4,47 مليون دولار أميركي من الحسابات المصرفية قبل توقيفه.
قراصنة «من أهل البيت»
هذه الصعوبة دفعت ببعض الدول المتقدمة الى السعي لتجنيد قراصنة محترفين، بهدف شَنّ هجمات منظمة على المجرمين السيبيريين «من أهل البيت»، حتى بدأ الحديث في الولايات المتحدة الأميركية عن ضرورة العفو عن القراصنة المطلوبين، وأبرزهم غاري ماكينون (شاب متوحد غَزا أنظمة المعلومات الدفاعية الحساسة في بريطانيا والولايات المتحدة للبحث عن حقيقة «الصحون الطائرة» وتطلب اميركا من المملكة المتحدة تسليمه) ويهدف العفو الى بَثّ الثقة لدى القراصنة «المتضامنين» وتوظيف مهاراتهم في خدمة الأمن والمصلحة العامة.
«الإنتربول»
من جهتها، تخصّص منظمة الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول» جهوداً حثيثة لمكافحة الإجرام السيبيري عن طريق تبادل المعلومات بين البلدان الأعضاء والتدريب وتنسيق العمليات الدولية والمساعدة على التحقيق في الجرائم وتزويد الدول قواعد البيانات الضرورية، فضلاً عن إقامة شراكات استراتيجية مع المنظمات الدولية وهيئات القطاع الخاص.
وأعلن الإنتربول أخيراً عن عمليات ناجحة في مكافحة بيع الأدوية المغشوشة والبضائع المزيفة وسرقة الممتلكات الأدبية والفكرية في بعض الدول، وغيرها.
الواقع القانوني والأمني في لبنان
بين اللحاق بسرعة التكنولوجيا، والتقاعس في تطوير القوانين المترهّلة، يقف لبنان كالريشة في مهب الريح، لولا الجهود التي يقوم بها مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، ضمن مسؤوليته في ملاحقة الجريمة الإلكترونية. وفي وقت لا يسود العالم السيبيري في بلادنا أيّ قانون ولم تتعرّف النصوص التشريعية بعد الى عبارة «إنترنت»، تطبّق القوانين السارية كقانون العقوبات على جرائم السرقة والإحتيال والإعتداء الجنسي وغيرها من الجرائم التي يمكن إلباسها طابعاً تقليدياً، لكن في المقابل تجد الملاحقة القضائية صعوبة في توصيف عدد من الجرائم الخاصة بالفضاء السيبيري، مثل الدخول والبقاء غير المشروع في نظام معلوماتي، أو تشويهه وعرقلة تشغيله، أو إدخال معلومات وحذف أُخرى، أو إنتاج رسوم وأشرطة مخلّة بالحشمة وتسويقها واقتنائها… فيحاول القضاء الإجتهاد لسدّ ثغرات القانون.
الحاج: صعوبة في رفع السرية
وفي هذا الإطار، تقول رئيسة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، الرائد المهندس سوزان الحاج لـ»الجمهورية»، إنّ «عملنا يحتاج الى استحداث القوانين الخاصة بالإنترنت وزيادة عديد العناصر المتخصصة، لافتة الى أنه على رغم ذلك يقوم المكتب بدوره مستنداً الى القوانين النافذة، والى إشارات النيابات العامة والاستنابات القضائية، وقد أنجز خلال الأشهر الـ12 الأخيرة التحقيق في 2000 ملف»، موضحة أنّ الجرائم تتزايد باضطراد،
ومؤكّدة أنّ «نسبة التوقيفات في الجرائم التي يرتكبها لبنانيون أو مقيمون في لبنان بلغت 80 %، كذلك نحقق نتائج تصِل الى 100 % عندما يتعلق الأمر بتحرّش جنسي بالأطفال حتى ولو كان المجرمون خارج لبنان، حيث يكون التعاون في ذروته بين كافة الدول، فيما تبقى العقدة الوحيدة التي تواجهنا هي عدم إمكان استرجاع المال الذي ينتج عن الجرائم الإلكترونية، بسبب تحويله الى حسابات مصرفية في الخارج تحظى بالسرية لكننا نسعى اليوم مع مصرف لبنان لإيجاد آلية تمكّننا من رفع السرية».
وإذ تشدد الحاج على ضرورة تطوير القوانين، تؤكد انّ «الأمن السيبيري بات يؤثر في كل جوانب الحياة لا سيما الإقتصادية منها حيث يُحجم المستثمرون الكبار عن ولوج أسواق لا تكترث لتنظيم الفضاء السيبيري وتتقاعس عن توفير الحماية له».
ويحزّ في قلب الحاج أن «يعمل المكتب من دون قوانين خاصة ما يعرّضه لانتقادات بعض الناشطين على المواقع الإجتماعية، الامر الذي يخلق بلبلة لا حاجة لها، في ظل عمل محترف للمكتب تحت إشراف القضاء».
وفي انتظار «صحوة تشريعية» لا يمكن توقّع توقيتها، في ظل ثقافة الفراغ والتعطيل، تشير إحصاءات الأمن الداخلي الأولية، بين العامين 2009 و2013 الى ارتفاع جرائم التهديد والابتزاز عبر الإنترنت من 60 الى 272، والتشهير والقدح والذم من 29 الى 491، وسرقة البريد الإلكتروني من 41 الى 229 والتعدي على الأطفال من 3 الى 16 والتحرّش جنسياً من 25 الى 193. فيما يبقى التعويل كبيراً على «الأمن السيبيري الذاتي» باستخدام برمجيات وتطبيقات آمنة والتحلّي بالوعي لتقليص الخطر.